خبير اقتصادي يحذر من صدمة عميقة قد تصيب شرائح واسعة
• أي تشريع أو سياسة اقتصادية لا بد أن تنطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع
• قلب المعادلة، بحيث يصبح التقاعد المبكر هو الاستثناء والتقاعد التقليدي هو القاعدة، قد يفضي إلى اختلالات اقتصادية وتأمينية واجتماعية عميقة
• إلغاء التقاعد المبكر بشكل كامل قد يضع فئات واسعة من العاملين في حالة "فراغ اقتصادي ومعيشي"
• الانعكاسات ستمتد إلى الاقتصاد ككل، من خلال تراجع الاستهلاك المحلي، وضعف الحركة التجارية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة المقنّعة
• لا بد من إعادة تصميم المعادلة المالية للتقاعد المبكر بحيث يكون أقل كلفة على الصندوق دون منعه
• المرحلة المقبلة تتطلب رؤية شمولية تتكامل فيها سياسات الضمان مع قوانين العمل دون أن يُحمّل المجتمع كلفة اجتماعية باهظة.
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن أي تشريع أو سياسة اقتصادية لا بد أن تنطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع، واحتياجاته، ومستويات دخله، وآفاقه المستقبلية.
وأوضح في تصريحٍ خاص مع صحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التقاعد المبكر تحوّل مع الوقت إلى "حق مكتسب" لشريحة واسعة، لكنه يحتاج إلى إعادة تنظيم بأدوات أكثر ذكاءً تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وبيّن عايش أن قلب المعادلة، بحيث يصبح التقاعد المبكر هو الاستثناء والتقاعد التقليدي هو القاعدة، قد يفضي إلى اختلالات اقتصادية وتأمينية واجتماعية عميقة، ما يستدعي تطوير مقاربات جديدة تُبقي على هذا الخيار ولكن ضمن ضوابط مرنة ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار تغيرات سوق العمل وتسارعها.
وأشار إلى أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، بما في ذلك الأتمتة والذكاء الاصطناعي، أعادت تشكيل طبيعة الوظائف، إذ لم يعد ممكنًا لكثير من العاملين الاستمرار في وظائفهم لعقود طويلة، موضحًا أن العالم يتجه نحو ما يمكن تسميته بـ"التقاعد التكنولوجي"، وهو ما يتطلب تحديث التشريعات، وعلى رأسها قوانين الضمان الاجتماعي، لتواكب واقعًا غير تقليدي بأدوات غير تقليدية.
ونوّه عايش إلى أن إلغاء التقاعد المبكر بشكل كامل قد يضع فئات واسعة من العاملين في حالة "فراغ اقتصادي ومعيشي"، خاصة أولئك الذين يفقدون وظائفهم قبل سن التقاعد، ما يعني حرمانهم من أي دخل انتقالي، ودفعهم نحو أوضاع معيشية صعبة.
وأضاف أن هذا الإلغاء قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات، أبرزها فقدان مصدر دخل متوقع، وضعف فرص العمل للفئات العمرية فوق الأربعين، وزيادة الضغط على الأسر التي قد تضطر إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض أو تقليص إنفاقها على الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن الانعكاسات ستمتد إلى الاقتصاد ككل، من خلال تراجع الاستهلاك المحلي، وضعف الحركة التجارية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة المقنّعة، مؤكدًا أن معالجة العجز المالي لمؤسسة الضمان لا ينبغي أن تتم على حساب الاستقرار الاجتماعي.
وبيّن عايش أن الحل لا يكمن في الإلغاء الكامل ولا في الإبقاء المطلق، وإنما في "إصلاح تدريجي ذكي" يوازن بين استدامة الضمان وحماية الأسر، عبر حزمة من الأدوات، مثل التدرج في التطبيق، وتعديل شروط الاستحقاق، وربط التقاعد المبكر بسوق العمل.
وأضاف أن من بين الحلول الممكنة إعادة تصميم المعادلة المالية للتقاعد المبكر بحيث يكون أقل كلفة على الصندوق دون منعه، إلى جانب السماح بالعمل الجزئي للمتقاعدين، وتشجيع أنماط العمل المرن التي تضمن استمرار دخل الأفراد وإبقائهم ضمن النشاط الاقتصادي.
وأكد عايش أهمية الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل، خاصة للفئات العمرية الأكبر، مع تقديم حوافز للشركات لتوظيفهم، بما يمنع تحولهم من متقاعدين إلى عاطلين عن العمل.
وحذر من أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية شمولية تتكامل فيها سياسات الضمان مع قوانين العمل، بما يضمن بناء نظام تقاعد مرن، عادل، ومستدام، قادر على التكيف مع تحولات سوق العمل، دون أن يُحمّل المجتمع كلفة اجتماعية باهظة.