سلاح "حزب الله" في حسابات دمشق.. تباين المقاربات تحت ضغط الحرب
مع استمرار الغموض بشأن احتمال تجدّد الحرب على إيران ولبنان، تجد دمشق نفسها أمام تداعيات مواجهة لا تشارك فيها مباشرة، لكنها تقع على خطوط تماسها السياسية والأمنية. فالدفع الأميركي نحو دور أكثر صدامية مع "حزب الله"، والضغط الإسرائيلي على خطوط سوريا ولبنان، والتحذيرات التركية من اندفاعة إسرائيلية لاحقة، وضعت السلطة السورية الموقتة في مساحة ضيقة بين متطلبات الأمن وذاكرة الحرب وحسابات التوازن الإقليمي، وفق تقرير لصحيفة النهار اللبنانية.
زاد من تعقيد هذا المشهد أن الأطراف الإقليمية الفاعلة في سوريا لا تقرأ الحرب بالطريقة نفسها. فتركيا، الداعم الرئيس للسلطة السورية، تحذر من توسع الحركة الإسرائيلية داخل سوريا، فيما لا ترغب دول أخرى بانتصار إسرائيلي يكرس تفوقها. في هذا السياق، بدأت تظهر مؤشرات على وجود مقاربات سورية متباينة تجاه سلاح "حزب الله".
برز هذا التباين أولاً في لحظة التردد السوري إزاء الدور المطلوب من دمشق في لبنان. فقد كشفت "رويترز" عن دفع واشنطن دمشق للتدخل ضد "حزب الله". وأكد ذلك عبيدة غضبان، مسؤول الدراسات الاستراتيجية في المعهد الديبلوماسي السوري، في مقابلة على "الإخبارية" السورية، بقوله إن دمشق رفضت الطلب الأميركي، في حين كان الموفد الأميركي توم براك قد نفى وجود طلب أميركي بذلك أصلاً.
ما هي قراءة سوريا لمسألة التوازن الاستراتيجي؟
في المقابلة نفسها، أدلى غضبان بتصريحات غير مألوفة بشأن الموقف من حرب إسرائيل ضد "حزب الله". فقد وجّه إليه المحاور سؤالاً عمّا إذا كانت سوريا، أو "الاستراتيجيون في وزارة الخارجية"، ترى أن بقاء سلاح "حزب الله" يقلل من الخطر الإسرائيلي، فأجاب بأن المنطقة تشهد اختلال توازن استراتيجياً وفراغات أمنية وأطرافاً تسعى إلى الهيمنة، وأن هيمنة أي طرف على الطرف الآخر تضعف الموقف السوري. وأضاف أن الحفاظ على هذا التوازن يقوي سوريا وعلاقاتها، مشدداً على أن التوازن هو المهم.
جاء هذا التصريح بعد تتابع بيانات وزارة الداخلية السورية عن اعتقال خلايا قالت إنها مرتبطة بـ"حزب الله"، وأكدت أن نشاط الحزب يهدد الأمن السوري، وتحدثت عن خلايا وتهريب وصواريخ. وكان آخر هذه الإعلانات خلية القنيطرة، التي قالت السلطات إنها كانت تستعد لاستهداف "الجوار" من دون تسمية إسرائيل، وضبطت بحوزتها صواريخ ومنصات إطلاق مخبأة ومعدة للاستخدام.
تحركات حدودية تحمل مؤشرات
وشهدت الحدود السورية ـ اللبنانية خلال الأشهر الماضية تحركات مفاجئة وانتشاراً لفصائل تابعة للجيش السوري من دون إعلان مسبق. وبلغت الحالة ذروتها أواخر شباط/فبراير، حين أكدت دمشق الانتشار، لكن تصريحاتها تقلبت بين الاستعداد لمساعدة لبنان في نزع سلاح "حزب الله"، والتأكيد أن الهدف ضبط الحدود من دون نية للتدخل.
اكتسب تصريح غضبان دلالته من تزامنه مع نقاشات عن دور سوري محتمل في لبنان، وضغوط أميركية، وتصعيد إسرائيلي، وتحذيرات تركية. وتضيف خلفيته بعداً آخر؛ إذ نشط في تركيا قبل سقوط النظام بسنوات طويلة، وتتداول أوساط سورية وصفه بأنه قريب فكرياً من "جماعة الإخوان المسلمين"، فيما نفى مقربون منه ذلك أكثر من مرة.
وترافق ذلك مع تصاعد التحذيرات التركية من إسرائيل. فقد حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن انشغال إسرائيل بالحرب على إيران لا يعني أنها لن تتحرك لاحقاً ضد سوريا عندما تسمح الظروف. وجاءت هذه التصريحات في فترة شهدت زيارات للشرع ووزير خارجيته إلى تركيا ودول خليجية، بينها السعودية وقطر والإمارات.
تحذيرات تركيا ليست منفصلة عن تهديدات إسرائيل
ولم تكن التحذيرات التركية منفصلة عن تصعيد إسرائيلي متدرج. فقد هددت إسرائيل باستهداف نقطة المصنع الحدودية بذريعة تهريب السلاح إلى "حزب الله"، وتحدث نتنياهو عن منطقة عازلة في الجنوب السوري. وذهب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أبعد من ذلك، حين دعا إلى إضافة مناطق حدودية من سوريا ولبنان وغزة لضمان الدفاع عن إسرائيل. وتزامنت هذه المواقف مع استمرار التوغلات البرية الإسرائيلية في القنيطرة.
ويرجح هذا المسار أن الكباش التركي ـ الإسرائيلي، ولا سيما بعد تهديدات المصنع والحديث عن مناطق عازلة، ساهم في إبراز مقاربات مختلفة داخل الحكومة السورية: من يتحدث عن الاحتكاك مع "حزب الله" تحت عنوان "الانتقام" من دوره إلى جانب النظام السابق، ومن يضع الملف في إطار أمني، خصوصاً في الجنوب، ومن يقارب سلاح الحزب من زاوية تداعيات نزعه في هذه المرحلة، مع استمرار الحرب على إيران ولبنان والتحذيرات من توسيع هامش الحركة الإسرائيلية في سوريا.
تهريب السلاح لا يزال مستمراً
لكن هذه المواقف السورية المتعددة تتزامن مع استمرار تهريب السلاح بين سوريا ولبنان. فقد ذكرت مصادر لبنانية وأخرى سورية لـ"النهار" أن وصول السلاح إلى "حزب الله" من سوريا وعبرها لم يتوقف، وإن تغيرت بعض طرقه وأشكاله، وأن بعض الشحنات التي وصلت بالفعل لم تكن تقل عن مثيلاتها في عهد النظام السابق. وبينما تشير المصادر اللبنانية إلى تنسيق مع بعض المجموعات التابعة لوزارة الدفاع السورية لإتمام التهريب، تشدد المصادر السورية على أن معظم المتعاونين هم من الأعضاء السابقين في ميليشيات "حزب الله" وإيران، لكنها رفضت التأكيد إذا كانت هذه العناصر انضمت إلى الجيش السوري أم لا.
سوريا تتحسّب للعاصفة الآتية
بدوره أكد مصدر مقرب من إدارة الشؤون السياسية لـ"النهار" أن هناك معطيات ثقيلة بشأن تبلور موقف شبه موحد لبعض دول المنطقة الفاعلة في سوريا والتي لا ترغب في انكسار "حزب الله" ولا إيران في هذه الحرب بسبب حسابات تتعلق بأمن المنطقة. واعتبر المصدر أن الموقف السوري لا ينطوي على تباينات حقيقية بقدر ما يحاول الانحناء للعاصفة قبل أن تصل إليه.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن حركة إقليمية أوسع حيال الحزب. فقد زار وفد منه تركيا أواخر العام الماضي، فيما زار رئيس الاستخبارات المصرية اللواء حسن الرشاد بيروت، وتحدثت أوساط متابعة عن تواصل بينه وبين "حزب الله".
وعليه، فإن الموقف من سلاح "حزب الله" يتعدّى مسألة الحدود والأمن، ليكشف بنية حكم تحمل رواسب من ماضي الفصائل والتيارات التي شاركت في تشكيلها، وتتحرك ضمن شبكة علاقات إقليمية متباينة لم تغب عنها في سنوات الصراع مع النظام. لذلك لا يمثل هذا الملف مجرد اختبار حدودي ـ أمني، بل يختبر قدرة السلطة السورية على تبني موقف سياسي متماسك حين تفوق الضغوط الإقليمية والدولية قدرة الأداء الرسمي على ضبط التباينات داخل خطاب واحد.