الفاهوم يكتب: الأردن صمام الإستقرار في الإقليم الذي يعيد تشكيل نفسه
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
يشهد الإقليم لحظة تشبه ارتجاجًا عميقًا في بنيته السياسية، حيث لم تعد موازين القوة تُدار فقط من العواصم التقليدية، بل بدأت تتشكل من داخل المنطقة نفسها، عبر تفاعلات أكثر استقلالًا ومرونة. ما طُرح حول لقاء إسلام آباد، سواء كان تفصيله دقيقًا بالكامل أم لا، يعكس اتجاهًا حقيقيًا يتنامى في السنوات الأخيرة، وهو سعي قوى إقليمية كبرى إلى امتلاك زمام المبادرة بدل الاكتفاء بدور المتلقي في معادلات تُصاغ خارج حدودها.
تُظهر المعطيات أن المنطقة تتجه نحو نمط جديد من التوازنات، حيث تتقاطع مصالح قوى مثل السعودية وتركيا ومصر وباكستان عند نقطة مشتركة تتمثل في احتواء الأزمات بدل توسيعها، وتحويل الصراعات من مواجهات مفتوحة إلى مسارات تفاوضية قابلة للإدارة. هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية الدور الأمريكي، لكنه يعكس تراجع احتكاره، وصعود مفهوم “تعدد مراكز القرار” في الشرق الأوسط. وفي الخلفية، تلعب الصين دورًا هادئًا لكنه مؤثر، عبر دعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي دون الانخراط المباشر في صراعات مكلفة.
في هذا السياق، تبدو فكرة “محور الاستقرار” أقرب إلى توصيف لمرحلة جديدة، حيث تتحول بعض الدول إلى جسور تواصل بدل أن تكون ساحات صراع. باكستان، بحكم موقعها وعلاقاتها المتشابكة، يمكن أن تلعب دور قناة تواصل غير مباشرة بين أطراف متخاصمة، بينما تسعى السعودية إلى ترسيخ دورها كمركز ثقل عربي يقود التهدئة، وتوظف تركيا موقعها الجيوسياسي لتعزيز قدرتها على المناورة بين الشرق والغرب، في حين تحافظ مصر على دورها التاريخي كميزان توازن إقليمي.
تنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على حسابات إسرائيل، التي بنت استراتيجيتها خلال السنوات الماضية على فرضيات تتعلق بتفكك الإقليم واستدامة الصراعات. أي توجه إقليمي نحو التهدئة المنظمة وسحب الذرائع من التصعيد، يعني تقليص هامش المناورة أمامها، وتحويل الحروب من أدوات لتحقيق مكاسب إلى أعباء استراتيجية طويلة الأمد.
غير أن القراءة الأكثر أهمية لا تكمن فقط في توصيف ما يحدث، بل في استشراف ما يمكن أن يكون عليه الدور الأردني في هذه اللحظة المفصلية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وتاريخه الدبلوماسي، يمتلك مقومات فريدة تؤهله ليكون أحد أعمدة الاستقرار في هذا النظام الإقليمي المتشكل.
يستطيع الأردن أن يعزز موقعه كـ”دولة ارتكاز” في معادلات التهدئة، مستفيدًا من شبكة علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وقدرته على الحفاظ على خطاب عقلاني بعيد عن الاستقطاب الحاد. كما يمكنه أن يلعب دور الوسيط الموثوق في ملفات حساسة، خاصة في ظل خبرته الطويلة في إدارة الأزمات الإقليمية، وتواصله المستمر مع القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.
ويتطلب ذلك الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، عبر طرح رؤى عملية لحلول سياسية، وتعزيز الحضور الأردني في المنصات الإقليمية الجديدة، والانخراط بفعالية في أي مسارات حوار تُبنى خارج الأطر التقليدية. كما يستدعي الأمر الاستثمار في القوة الناعمة الأردنية، من خلال التعليم، والإعلام، والدبلوماسية الثقافية، بما يعزز صورة الأردن كصوت توازن وحكمة في منطقة مضطربة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، ضرورة توظيف هذه التحولات لتعزيز الداخل الأردني، اقتصاديًا وسياسيًا، بحيث يصبح الاستقرار الداخلي قاعدة صلبة لأي دور إقليمي فاعل. فالدولة التي تسعى للتأثير في محيطها، تحتاج أولًا إلى نموذج داخلي متماسك قادر على الصمود والتكيف.
في المحصلة، قد لا يكون ما جرى في إسلام آباد حدثًا مكتمل الأركان كما يُروى، لكنه بلا شك يعكس روح مرحلة جديدة تتشكل فيها المنطقة بعيدًا عن القوالب القديمة. مرحلة تتعدد فيها مراكز التأثير، وتُعاد فيها صياغة التحالفات، وتبرز فيها أدوار لدول قادرة على قراءة اللحظة بوعي واستثمارها بحكمة.
وهنا تكمن الفرصة والتحدي معًا أمام الأردن، أن لا يكتفي بمتابعة التحول، بل أن يكون جزءًا من صناعته، وأن يرسخ موقعه كفاعل إقليمي يسهم في إعادة تعريف الاستقرار، لا كمجرد متلقٍ لنتائجه.