التل يكتب: 57 دولة عجزت فاستجدي البابا
د. مصطفى التل
أثار النائب الأردني صالح العرموطي، خلال جلسة مجلس النواب ، موجة من التعليقات المتباينة حين وجّه مناشدة إلى البابا في الفاتيكان للدعوة إلى فتح المسجد الأقصى المبارك، وذلك في ظل ما وصفه بـ"الصمت العربي والإسلامي".
لم تكن دعوة العرموطي اعتباطية، بل جاءت بعد أيام قليلة من مشهد اعتبره كثيرون مفارقة دبلوماسية صارخة : بيان واحد من الفاتيكان، وحراك دبلوماسي أوروبي منسق، استطاعا أن يحركا النظام الفرنسي العلماني الذي رفض سابقاً إيقاف المباريات دقيقة واحدة لإفطار اللاعبين المسلمين، بل ودفعا نحو تهديد إسرائيلي بفتح كنيسة القيامة، لتعتذر الحكومة الإسرائيلية وتفتح الكنيسة في يوم واحد.
بينما على الجانب الآخر، تقف 57 دولة إسلامية، تمتلك 57 منظومة دينية رسمية، وعشرات المفتين، ومئات المؤسسات الدينية، وكبرى الهيئات الإسلامية مثل الأزهر الشريف، وأئمة الحرمين الشريفين، جميعها لم تستطع أن تُحرك شعرة واحدة في قادة إسرائيل بشأن المسجد الأقصى الذي يبقى مغلقاً أو مقتحماً وفق ما تفرضه قوات الاحتلال.
لا يمكن فهم تأثير الفاتيكان دون استيعاب طبيعته الفريدة , فالفاتيكان ليس مجرد سلطة دينية، بل هو دولة ذات سيادة كاملة، لها علاقات دبلوماسية مع 183 دولة حول العالم، وسفراء معتمدون، ومراقب دائم في الأمم المتحدة.
عندما يتحدث البابا، فإنه لا يتحدث بصفته رجل دين فقط، بل بصفته رئيس دولة يمتلك أدوات ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي.
هذا المزيج الفريد بين السلطة الدينية والدولة جعل من الفاتيكان طرفاً لا يمكن تجاهله في الصراعات الدولية، خاصة تلك التي تمس المسيحيين في الشرق الأوسط، حيث تتحول قضية دينية إلى ملف دبلوماسي بامتياز.
على النقيض، تفتقر الأمة الإسلامية إلى مؤسسة جامعة ذات ثقل مماثل , منظمة التعاون الإسلامي، وهي أكبر منظمة حكومية إسلامية تضم 57 دولة، تفتقر إلى آليات الضغط الفعالة، ولا تمتلك أدوات عقابية أو نفوذاً دبلوماسياً موحداً.
الأزهر الشريف رغم مكانته الدينية، يظل مؤسسة مصرية بامتياز، تخضع في خطابها للتوجهات السياسية للدولة المصرية , والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الدينية في السعودية وإيران وتركيا وبقية الدول الإسلامية.
هذا التعدد لم ينتج تكاملاً، بل أنتج تشتتاً , فبدلاً من أن تكون هناك مؤسسة إسلامية موحدة تتحدث باسم أكثر من مليار ونصف مسلم، أصبحت القضية الفلسطينية والقدس رهينة للمصالح الوطنية المتضاربة، وللخطابات الإعلامية التي لا تتحول إلى أفعال على الأرض.
ما ذهب إليه النائب العرموطي، وإن كان في ظاهره مناشدة لشخصية دينية غير إسلامية، فإنه في جوهره اعتراف مرير بواقع : أن الصوت الديني المسلم الرسمي غير مسموع دولياً، وأن ما لم تستطع فعله 57 دولة إسلامية، استطاع بيان واحد من الفاتيكان تحقيقه في أيام.
هذه المفارقة تطرح أسئلة صعبة : لماذا لم تستطع المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية أن تشكل ضغطاً مكافئاً للضغط الفاتيكاني؟! وأين دور الأزهر الذي طالما اعتبر نفسه "منارة الإسلام" في الدفاع عن القدس؟! وايت هم علماء الحرمين الشريفيين ؟! ولماذا لا توجد هيئة إسلامية موحدة تمتلك علاقات دبلوماسية واسعة وتستطيع استخدامها كأوراق ضغط؟!
جزء من الإجابة يتعلق بالطبيعة المختلفة للعلاقة بين الديني والسياسي في العالمين الإسلامي والمسيحي , فبينما نجح الفاتيكان في المزج بين دوره الديني ودوره السياسي، بل واستثمر هذا المزج لصالحه، ظلت المؤسسات الدينية الإسلامية إما تابعة للسلطة السياسية، أو منغلقة على نفسها.
الفاتيكان يتعامل مع القضايا الدينية للمسيحيين في العالم كقضية دبلوماسية كبرى، ويستخدم كل أدوات الدولة لتحقيقها , بينما تتعامل المؤسسات الإسلامية مع قضية القدس، القضية المركزية للأمة، إما بخطابات إنشائية، أو بحضور احتفالي في المناسبات، دون أن تترجم ذلك إلى ضغط دولي حقيقي.
النقاش الذي فتحه العرموطي بدعوته يجب أن يكون مدخلاً لمراجعة حقيقية من خلال :
أولاً: إعادة بناء المؤسسات الإسلامية الجامعة ليس عبر منظمات شكلية، بل عبر إنشاء هيئة إسلامية دولية ذات ثقل دبلوماسي واستثماري واقتصادي.
ثانياً: توحيد المرجعيات الدينية في القضايا الكبرى، بحيث لا تظل القدس رهينة الخلافات الإقليمية.
ثالثاً: الانتقال من الخطاب إلى الفعل، فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى خطب جمعة بقدر ما تحتاج إلى حراك دبلوماسي موحد، ومقاطعة اقتصادية منظمة، ولوبيات ضغط في العواصم الكبرى.
يبقى المسجد الأقصى في قلوب المسلمين، وستبقى قضيته حية , لكن الأمة التي لا تستطيع تحريك شعرة في قادة إسرائيل بكل هذه الإمكانات البشرية والجغرافية والدينية، بينما يستطيع الفاتيكان فعل ذلك في أيام، هي أمة تحتاج إلى مراجعة جادة لأدواتها ومؤسساتها.
مناشدة العرموطي للبابا لم تكن إشادة بالفاتيكان بقدر ما كانت صرخة في وجه الصمت الإسلامي الرسمي , والسؤال الذي يبقى مطروحاً : هل ستكون هذه الصرخة بداية لمراجعة حقيقية، أم ستضاف إلى سلسلة طويلة من الصرخات التي سرعان ما تموت في أروقة المؤتمرات والاجتماعات؟!
الأمة التي لا تستطيع حماية أقدس مقدساتها بنفسها، ستضطر يوماً لأن تستجدي غيرها للدفاع عنها.