غنيمات يكتب: الثقة مرهونة بحسن التنفيذ
طلال غنيمات
يأتي خطاب رئيس الوزراء بوصفه رسالة طمأنةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ، تؤكد ثوابت الدولة الأردنية في رفض الانخراط في الصراعات، والتمسك بخيار الاستقرار، وتعزيز منعة الداخل. خطابٌ يمكن قراءته بوصفه تأكيدًا على صلابة الموقف الأردني، وعلى قدرة الدولة، بقيادتها الهاشمية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، على حماية السيادة الوطنية وسط بيئة إقليمية مضطربة.
لقد نجح الخطاب في ترسيخ معادلة دقيقة أكدت بأن الأردن ليس ساحة حرب، لكنه في الوقت ذاته ليس بمعزلٍ عن تداعياتها. وهنا تبرز أهمية الإجراءات الاستباقية التي تحدث عنها رئيس الوزراء، سواء فيما يتعلق بضمان استدامة سلاسل التوريد، أو الحفاظ على المخزون الاستراتيجي، أو التدخل لضبط الأسعار. وهي خطوات تعكس إدراكًا حكوميًا مبكرًا لحجم التحدي، خصوصًا في ظل الارتفاعات العالمية في أسعار الطاقة والسلع.
غير أن هذه الصورة الإيجابية، على أهميتها، تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مستوى التناغم بين الرؤية الحكومية المعلنة وأداء بعض الوزارات على أرض الواقع. فحين يتحدث رئيس الوزراء عن ضبط الأسواق ومنع الاحتكار، فإن ذلك يضع مسؤولية مباشرة على عاتق وزارة الصناعة والتجارة، التي ما تزال – في نظر كثيرين – تتحرك بوتيرة أبطأ من المطلوب في مواجهة الاختلالات السعرية، أو في فرض رقابة صارمة على الأسواق.
إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرتها على النفاذ والتطبيق. فالسوق الأردني شهد، في أكثر من محطة، ارتفاعات غير مبررة في أسعار سلع أساسية، ما يشير إلى فجوة بين السياسات المعلنة وأدوات التنفيذ. وهنا، يتطلب الأمر بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة، واستباقًا، وشفافية، بما يعيد الثقة للمواطن ويضبط إيقاع السوق.
كما أن الحديث عن تحويل الأردن إلى مركز إمدادٍ إقليمي، وتوسيع فرص التصنيع المشترك، يضع بدوره مسؤوليات إضافية على وزارات الاقتصاد، وفي مقدمتها الصناعة والتجارة، لتجاوز النهج التقليدي في إدارة الملف الصناعي، والانتقال نحو سياسات أكثر ابتكارًا، تدعم الإنتاج المحلي، وتقلل من الاعتماد على الاستيراد، وتخلق بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي النوعي.
وفي السياق ذاته، فإن ملف دعم القطاعات المتضررة، كالسياحة، يتطلب تنسيقًا أعلى بين الجهات المعنية، بحيث لا تبقى القرارات في إطار النوايا، فما قاله رئيس الوزراء يعبّر عن رؤية دولة، لكن ما يحتاجه المواطن اليوم هو أن يلمس أثر هذه الرؤية في تفاصيل حياته اليومية، في سعر سلعة، في استقرار خدمة، في عدالة سوق. وبين الرؤية والتنفيذ، تقف كفاءة المؤسسات وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص.
هذه المقومات تحتاج إلى إدارة أكثر حسمًا ومرونة في آنٍ معًا، وإلى وزارات تعمل بذات الإيقاع الذي تتحدث به الدولة، حتى تبقى الثقة هي العنوان الأبرز في معادلة الاستقرار.