القهيوي يكتب: حين تفرض الأدوار.. هل يملك الأردن خيار التأخر؟
ليث القهيوي
حين تدخل المنطقة طورا جديدا من إعادة التشكل، لا تعود الأسئلة التقليدية كافية لفهم ما يجري، ولا يعود ممكنا التعامل مع التحولات بوصفها موجات عابرة يمكن امتصاصها بقدر من الانتظار والحذر.
ما يحدث اليوم أعمق من مجرد تصعيد سياسي أو أمني، وأبعد من كونه صراعا ظرفيا على النفوذ بين أطراف متنافسة. نحن أمام لحظة تتغير فيها قواعد الوزن والدور، وتُعاد فيها صياغة المكانة الإقليمية للدول وفق قدرتها على التموضع السريع، لا وفق ما تملكه فقط من أدوات القوة التقليدية.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر الأكبر في اتخاذ موقف غير مكتمل.. بل في التأخر عن إدراك أن الزمن نفسه أصبح عنصرًا ضاغطًا في تعريف المصالح وتحديد المواقع.
لقد تغيرت طبيعة الصراع في الإقليم والعالم معًا. لم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش أو بما تعلنه من مواقف سياسية، بل بقدرتها على حماية اقتصادها، وتأمين طاقتها، وضمان انسياب تجارتها، والحفاظ على تماسك مجتمعها، وتقديم نفسها بوصفها عنصر استقرار.. لا عبئًا عليه.
بهذا المعنى، لم تعد المعركة مجرد تنافس على النفوذ..
بل أصبحت تنافسًا على من يملك أهلية البقاء داخل معادلة النفوذ أصلًا.
فالدول التي لا تعرف دورها بوضوح، أو تتردد طويلًا في ترتيب أولوياتها، تجد نفسها تدريجيًا داخل نتائج التحولات.. دون أن تكون شريكًا في صناعتها.
المرحلة الراهنة تفرض منطقًا مختلفًا في التفكير الاستراتيجي.
فالمساحات الرمادية تضيق، والتحالفات تتبدل بسرعة، والاقتصاد لم يعد نتيجة للسياسة.. بل أداة تصوغها.
لم تعد الأزمات تُدار فقط في غرف القرار، بل في أسواق الطاقة، وممرات التجارة، وكلفة التمويل، وسلاسل الإمداد، وفي قدرة الدول على حماية الفئات الأكثر هشاشة من ارتدادات الخارج.
ومن هنا، فإن التأخر في تعريف الموقف لا يعني تأجيل القرار
بل فقدان القدرة على اتخاذه لاحقا بالشروط الوطنية نفسها.
في هذا السياق، يبرز الأردن بوصفه دولة لا تملك ترف التعامل مع التحولات بوصفها شؤونا محيطة.
فالموقع الجغرافي، وطبيعة العلاقات الإقليمية والدولية، وتركيبة الاقتصاد، وحساسية الداخل الاجتماعي، كلها تجعل منه جزءا مباشرا من معادلة التحول.. حتى حين لا يكون طرفًا في صنع كل تفاصيلها.
لكن هذه الحقيقة لا تعني الضعف.. بقدر ما تعني المسؤولية.
الأردن ليس دولة تصنع وحدها قواعد الإقليم، لكنه أيضًا ليس كيانًا هامشيًا يُستدعى عند الحاجة.
لديه رصيد مهم من الاستقرار المؤسسي، وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية، وقدرة على حفظ التوازن في بيئة مضطربة، وشبكة علاقات تمنحه هامشًا معتبرًا من الحركة.
غير أن قيمة هذه العناصر لا تكمن في وجودها المجرد.. بل في حسن توظيفها.
فالاستقرار لا يكفي أن يكون حالة داخلية مطمئنة..
بل يجب أن يتحول إلى قيمة سياسية واقتصادية تجعل من الأردن شريكًا لا يمكن تجاوزه.
والموقع لا يكفي أن يكون وصفًا جغرافيًا.. بل يجب أن يصبح أصلًا استراتيجيًا يُستثمر في صياغة دور واضح ومتماسك.
والعلاقات لا تكفي أن تبقى توازنًا محسوبًا.. بل يجب أن تُترجم إلى فرص اقتصادية وهوامش تفاوض أوسع.
المعضلة أن المرحلة لم تعد تكافئ الدول التي تكتفي بإدارة الضغوط.. بل تمنح الأفضلية للدول التي تجيد استخدام هذه الضغوط لإعادة تعريف دورها.
وهذا يضع الأردن أمام اختبار دقيق:
كيف يحافظ على توازنه دون أن يتحول هذا التوازن إلى سياسة دفاعية؟
كيف يقلل الكلفة دون أن يكتفي بالاحتواء؟
وكيف يحوّل موقعه من مجال للتأثر.. إلى مصدر تأثير؟
الجواب لا يكمن في ردود الفعل الظرفية..
بل في بناء معادلة أردنية جديدة تتعامل مع المرحلة باعتبارها لحظة إعادة تموضع.
وأول عناصر هذه المعادلة هو الاقتصاد.
فالتحدي الاقتصادي لم يعد شأنًا تنمويًا منفصلًا عن الإستراتيجية العليا للدولة، بل أصبح في صلب الأمن الوطني.
اقتصاد يعاني من ضغوط الدين، وتباطؤ خلق الوظائف، وارتفاع كلفة المعيشة، وهشاشة بعض القطاعات أمام الصدمات الخارجية.. لا يمكن أن يبقى مجرد ملف فني.
المطلوب هو رفع مناعة الداخل.. لا فقط تحسين مؤشراته.
لأن المجتمعات المُرهقة اقتصاديًا تصبح أقل قدرة على الصمود، وأكثر عرضة للضغط الخارجي، وأضعف في إنتاج الثقة العامة الضرورية لأي سياسة طويلة النفس.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الاقتصاد والاجتماع.
فالتآكل البطيء للطبقة الوسطى، واستمرار بطالة الشباب، واتساع الفجوة بين التوقعات والفرص ، ليست مجرد نتائج داخلية،
بل نقاط حساسة قابلة للانفجار تحت ضغط التحولات الكبرى.
أخطر ما في الأزمنة المضطربة ليس فقط ما يقع على الحدود..
بل ما يتسلل بصمت إلى داخل المجتمع من شعور بالهشاشة وفقدان الأفق.
ومن دون جبهة داخلية أكثر صلابة، يصبح من الصعب تحويل الاستقرار السياسي إلى قدرة إستراتيجية مستدامة.
من هنا، فإن الاستشراف الجدي للمستقبل الأردني لا ينبغي أن ينطلق من فرضية الانفراج السريع، بل من احتمال أن المنطقة تتجه إلى نمط ممتد من التوتر منخفض الشدة.. عالي الكلفة.
توتر لا يُنهك بالانفجار.. بل بالاستنزاف.
وقدرة الأردن على العبور لن تُقاس فقط بقدرته على امتصاص الصدمة التالية..
بل بمدى نجاحه في إعادة ترتيب أولوياته بما يمنحه مرونة أعلى في مواجهة سلسلة ممتدة من الضغوط.
وقد يكون أحد أهم ملامح المرحلة المقبلة أن إعادة توزيع الأدوار لن تتم فقط وفق اعتبارات السياسة والأمن..
بل أيضًا وفق الوظيفة الاقتصادية التي تستطيع كل دولة أن تؤديها.
في عالم يبحث عن ممرات أكثر أمانًا، وسلاسل إمداد أكثر استقرارًا، وشركاء أكثر قابلية للاعتماد،
تصبح قيمة الدولة مرتبطة بما تقدمه من استقرار عملي، لا بما ترفعه من شعارات.
وهنا يملك الأردن فرصة حقيقية.. لكنها ليست مفتوحة.
فرصة لأن يقدم نفسه بوصفه نقطة وصل، وبيئة موثوقة، ومنصة تعاون.
لكن هذه الفرصة مشروطة بسرعة الإدراك وحسم الاتجاه.
ففي الأزمنة الانتقالية، لا تُمنح الأدوار بل تُفرض.
والدول التي لا تعرف دورها بنفسها.. تجد أن الآخرين قد عرفوه عنها.
الخطر الحقيقي ليس في حجم الضغوط.. بل في أن يُعاد تعريف دور الدولة خارجيًا قبل أن تعيد هي تعريفه داخليًا.
القواعد تُكتب الآن.
ومواقع الدول تتحدد الآن.
والكلفة لا يدفعها فقط من أخطأ.. بل أيضًا من تأخر.
وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال إن كان الأردن يملك خيار التأخر..
بل إن كان يستطيع تحمل كلفته إن فعل.