القس سامر عازر يكتب: نبكيكِ يا قدس كما بكاكِ المسيح!


القس سامر عازر

اليوم الأحد، التاسع والعشرون من آذار، يحلّ أحد الشعانين بحسب التقويم الغريغوري الغربي، ذلك اليوم الذي دخل فيه يسوع المسيح إلى المدينة المدينة، فاستقبله الناس بسعوف النخيل وهم يهتفون: "هوشعنا، مبارك الآتي باسم الرب". وفي الأردن، ننتظر الاحتفال به في الأحد الذي يليه بحسب التقويم اليولياني الشرقي، لكن المعنى واحد، والجرح واحد، والمدينة التي كانت مسرح الفرح تبدو اليوم غارقة في صمتٍ موجع.


اليوم، لن تكون القدس كما عهدناها. لن تعجّ شوارعها بالحجاج القادمين من أقاصي الأرض، ولن تمتلئ أزقتها بأصوات الترانيم والصلوات، ولن ترتفع سعوف النخيل كرايات انتصار وسلامٍ في وجه الألم. سيغيب ذاك المشهد الذي لطالما شكّل بوابة الدخول إلى الأسبوع المقدس، حيث الفرح يمتزج بالخشوع، وحيث يبدأ المؤمنون مسيرتهم نحو درب الآلام وصولاً إلى نور القيامة.

أيُّ شعانينٍ هذا الذي يُحتفل به بلا شعب؟ وأيُّ مدينةٍ هذه التي تُفرغ من زوّارها ومؤمنيها في أقدس أيامها؟
إنه مشهد يعيد إلى الأذهان لحظة بكاء يسوع المسيح على القدس، حين نظر إليها وقال: "إنكِ لم تعرفي زمان افتقادكِ". لم يكن بكاؤه ضعفاً، بل كان نبوءة ألمٍ عميق، وإدراكاً لمستقبل مدينةٍ ستعرف القسوة لأنها لم تحتضن رسالة السلام.

واليوم، كأنَّ التاريخَ يعيد نفسه، ولكن بوجعٍ من نوعٍ آخر.
القدس، مدينة السلام، تبدو جريحة. المدينة التي هي رمزاً للوئام والعيش المشترك، أصبحت أسيرة الصمت والخوف. كيف ستُقرع أجراس كنيسة القيامة، ولمن؟ وكيف سيرتفع الأذان من المسجد الأقصى، والقلوب محاصرة قبل الأجساد؟ أيُّ روحٍ تبقى للمدينة إن غاب عنها المؤمنون؟ وأيُّ قداسةٍ تُعاش إن أُغلقت أبوابها في وجه الصلاة؟

إن الحرب، حين تمتد لتطال بيوت العبادة، لا تعود مجرد صراعٍ سياسي أو عسكري، بل تتحول إلى جرحٍ في ضمير الإنسانية جمعاء. فأن يُحرم الإنسان من حقه في الصلاة، هو أن يُحرم من حقه في الرجاء، من حقه في أن يرفع عينيه إلى السماء طلباً للسلام.
لقد بكى يسوع المسيح على القدس لأنه رأى ما سيؤول إليه حالها، لكن ماذا عن عالمنا اليوم؟
هل بات اعتياد الألم يُفقدنا حسّنا الإنساني؟ هل أصبح إغلاق أبواب المقدسات خبراً عابراً لا يهزّ الضمائر؟

القدس ليست حجارةً صامتة، بل هي ذاكرة الأنبياء، وأثر الرسل، وخطى يسوع المسيح، وهي الأرض التي انبثق منها نور القيامة، حيث انتصرت الحياة على الموت، والرجاء على اليأس، والمحبة على الكراهية.
في أزقتها عبقٌ لا يشبه شيئاً آخر، وفي حجارتها تاريخٌ لا يُختزل، وفي هوائها صلاةٌ لا تنقطع. لكنها اليوم، تبكي...
تبكي غياب أبنائها،
تبكي عدم سماعهم أصوات أجراسها وتكبيرها،
تبكي سعوف النخيل التي لم تُرفع،
وأصوات الأطفال والكشافة التي لم تُسمع.
نبكيكِ يا قدس، لا لأنكِ ضعيفة، بل لأن العالم خذلكِ.
نبكيكِ لأنكِ تستحقين الفرح لا الحصار، والحياة لا الإغلاق، والصلاة لا المنع.

ومع كل هذا الحزن الذي يلفّ المدينة، يبقى الرجاء أقوى من الألم، لأن مسيرة يسوع المسيح لم تتوقف عند البكاء، ولا عند الصليب، بل بلغت ذروتها في القيامة، حيث انقلب الحزن إلى فرح، والقبر إلى فجرٍ جديد.

فالقدس التي نبكيها اليوم، هي ذاتها المدينة التي شهدت فجر القيامة، والتي انطلق منها رجاء العالم كله. وإن كانت أبوابها تُغلق اليوم، فإن حجر القبر الذي أُغلق يوماً قد تدحرج، ليعلن أن لا شيء مغلق إلى الأبد، وأن يد الله قادرة أن تفتح ما يعجز الإنسان عن فتحه.

لذلك، لا نبكيكِ يا قدس كمن فقد الأمل، بل كمن ينتظر الفجر، وكمن يؤمن أن وراء هذا الليل الطويل صباحاً سيأتي، تعود فيه التهليلات، وتُقرع أجراس الفرح، ويرتفع الأذان، وتلتقي القلوب من جديد على أرضكِ المقدسة.
نبكيكِ يا قدس كما بكاكِ المسيح،
لكننا نؤمن… أن القيامة آتية.