ملكاوي يكتب: "إمبراطورية الخبراء"!

 

موفق ملكاوي


على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة، ومنذ السابع من أكتوبر وما رافقته من حرب إبادة صهيونية على قطاع غزة، وصولا إلى امتداد الصراع وتوسعه إلى لبنان واليمن، ثم المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، برز الخبراء العسكريون والسياسيون والاقتصاديون كما لو أنهم بـ"دوام كامل" على شاشات فضائيات الصف الأول العربية، محاولين استكشاف ملامح الصراع ووجهته المستقبلية.
 

وسط هذا الخليط الكبير من الخبراء الذين يزوروننا على مدار الساعة، يبدو الاقتصاديون الأقرب إلى المنطق والموضوعية في تحليلهم لآثار الصراع في المنطقة على الجوانب الاقتصادية المختلفة، خصوصا ما يتعلق بسلاسل الإمداد، وأسعار الشحن والطاقة، وأثره على التضخم في العالم ككل.
لكن اللافت هو "منطق" الخبراء العسكريين والسياسيين، فكل محطة فضائية تختار من يمثل صوتها ورؤيتها للصراع ومآلاته، في عملية تشبه إلى حد كبير التدليس والتزييف للوعي، وحشد الرأي لتغليب رواية على سواها، بعيدا عن آليات القراءة الموضوعية لعوامل القوة والضعف والقدرة على الاستمرارية.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تعدد في وجهات النظر، بل قيام ما يشبه "إمبراطورية خبراء" كاملة، تقوم على إنتاج التفسير السريع للأحداث، وتقديم أجوبة جاهزة لكل سؤال، حتى في أكثر القضايا تعقيدا وغموضا، و"خبراء" لا يستخدمون استراتيجيات الباحث الذي يسعى للفهم، بل ينتهجون التعليق الأشبه بـ"الوجبات السريعة"، وبيقين غريب، وكأن المستقبل كتاب مفتوح أمامه.
هذه الإمبراطورية الإعلامية لا تقوم على المعرفة بقدر ما تقوم على تقسيم الأدوار داخل الفضاء الإعلامي. فلكل قناة خبراؤها، ولكل خبير روايته الجاهزة، ولكل رواية جمهور يجري تطويعه نفسيا لكي يرى العالم من خلالها، في ميكانيكية تنقل الخبير من وسيلة لفهم الواقع، نحو أداة لإعادة تشكيل الواقع في ذهن المتلقي.
الأخطر من ذلك أن هؤلاء الخبراء يتحدثون بثقة مطلقة، رغم أن الوقائع نفسها تنقض توقعاتهم كل بضعة أسابيع، وفي كل مرة كان الواقع يتقدم خطوة إلى الأمام، كانت "جيوش الخبراء" تعود إلى الشاشات بالثقة ذاتها، وباللغة القطعية ذاتها، وكأن شيئا لم يحدث.
ما يجري لا علاقة له بالتحليل بقدر ما هو إدارة للرأي العام، فالمشاهد العربي الذي يتابع هذه البرامج لساعات طويلة، لا يتلقى معرفة حقيقية، بل جرعات متواصلة من التخدير الذي يحدد له من ينتصر ومن ينهزم، وبمرور الوقت، تتحول هذه التحليلات إلى ما يشبه الوعي البديل الذي يعيش داخله الجمهور، وهو وعي لا يتشكل من الوقائع على الأرض وقراءتها بتمعن، بل من تكرار الروايات ذاتها على ألسنة الخبراء أنفسهم.
أخطر ما في "إمبراطورية الخبراء" ليس أخطاءها التحليلية، فالأخطاء جزء طبيعي من قراءة السياسة والحرب والمستقبل، وإنما يكمن في الادعاء الدائم بامتلاك الحقيقة، وفي تحويل التحليل إلى نوع من اليقين الدعائي الذي يقتل التفكير النقدي لدى المتلقي. التحليل الحقيقي بطبيعته متردد وحذر ويضع الاحتمالات بدل تقديم النبوءات، لكن ما نراه على الشاشات هو "خطابة تحليلية" لا تختلف كثيرا عن الخطابات التعبوية التي عرفتها المنطقة خلال عقود.
"إمبراطورية الخبراء" تتعدى العبث بالوعي العام نحو الإسهام في إضعاف القدرة على فهم التحولات الكبرى في العالم، فبدلا من قراءة الصراع باعتباره عملية تاريخية معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والاقتصادية والعسكرية، يجري اختزاله بمجرد مشاهدات يومية، وضربات متبادلة تتحدد فيها هوية المنتصر والمهزوم.
وبينما ينشغل الجمهور بتوقع الضربة القادمة، أو متابعة خرائط الصواريخ والطائرات المسيرة، تضيع الأسئلة الأكثر أهمية عن كيفية تغير ميزان القوة العالمي، وآليات إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وموقع المجتمعات العربية نفسها في هذه التحولات.
التاريخ لا يكتبه الخبراء الذين يملأون الشاشات، وإنما الوقائع على الأرض، أما "إمبراطورية الخبراء"، فهي ليست سوى صناعة إعلامية لإنتاج اليقين الزائف، في زمن هو الأكثر امتلاء بالشكوك في تاريخ المنطقة والعالم.