الدعجة يكتب: مع الوطن في زمن العواصف.. ثبات الموقف ووحدة الصف
حسن الدعجة
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، يبقى الوطن هو الثابت الذي تتجذر فيه الهوية وتُختبر فيه معاني الانتماء الحقيقي. وفي الحالة الأردنية، يكتسب هذا الانتماء بعداً أعمق، لأنه يرتبط بتاريخ من الحكمة السياسية والاستقرار الذي قادته القيادة الهاشمية في بيئة إقليمية مضطربة. ومن هنا، فإن عبارة "مع الوطن في الصواب والخطأ" لا تُفهم بوصفها تبريراً للأخطاء، بل باعتبارها تعبيراً عن التزام وطني ثابت يقوم على حماية الدولة وتماسكها، خاصة في أوقات الأزمات.
الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف. فأن تكون مع وطنك يعني أن تسهم في استقراره، وأن تدعم مؤسساته، وأن تتحمل مسؤوليتك في بناء الحاضر وصناعة المستقبل. وهو أيضاً وعي بأن الوطن ليس فقط ما نأخذه، بل ما نقدمه من جهد ووعي والتزام. وفي هذا الإطار، يصبح المواطن شريكاً في حماية الدولة، لا مجرد متلقٍ لسياساتها.
تكتسب هذه المعاني أهمية مضاعفة في ظل التصعيد الإقليمي الراهن، خصوصاً مع اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وما تحمله من تداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها. ففي مثل هذه اللحظات، تتجه الأنظار إلى مواقف الدول، وتُختبر قدرتها على الموازنة بين مبادئها ومصالحها. وقد اختار الأردن، كما في محطات سابقة، نهج الاعتدال والحكمة، معتمداً على قراءة دقيقة للمشهد، وساعياً إلى تجنيب نفسه والمنطقة مزيداً من الانزلاق نحو الفوضى.
غير أن هذا النهج لم يسلم من التشكيك، حيث برزت أصوات تحاول التقليل من أهمية الموقف الأردني أو التشكيك في دوافعه. وهذه الأصوات، سواء انطلقت من سوء فهم أو من رغبة في التأثير، تتجاهل حقيقة أن الأردن يتحرك ضمن بيئة شديدة التعقيد، وأن قراراته لا تُبنى على العواطف أو الشعارات، بل على تقدير دقيق لمصالحه الوطنية وأمنه الداخلي. فالدولة التي تقع في قلب منطقة ملتهبة لا تملك رفاهية القرارات الانفعالية، بل تحتاج إلى توازن دقيق يحفظ استقرارها ويصون سيادتها.
إن محاولات التشكيك هذه لا تُضعف الدولة بقدر ما تُضعف الجبهة الداخلية، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة. فالوطن، في مثل هذه الظروف، لا يحتمل الانقسام أو التردد، بل يحتاج إلى وعي جماعي يُدرك أن قوة الدولة تبدأ من الداخل، من ثقة المواطن بمؤسساته، ومن التفافه حول قيادته. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للوقوف مع الوطن: ليس صمتاً أو تبريراً، بل التزاماً بحمايته من كل ما قد يهدد استقراره، سواء كان ذلك من الخارج أو من الداخل.
لقد أثبتت القيادة الهاشمية، عبر تاريخ طويل، قدرتها على إدارة الأزمات بحكمة واتزان، واضعةً مصلحة الأردن فوق كل اعتبار. ولم يكن الحفاظ على استقرار الدولة في محيط مضطرب أمراً عفوياً، بل نتيجة رؤية واضحة وسياسات متوازنة، تدرك أن قوة الأردن تكمن في تماسكه الداخلي واعتداله السياسي. ومن هنا، فإن الالتفاف حول هذه القيادة ليس مجرد موقف عاطفي، بل خيار وطني يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة وتحدياتها.
وفي هذا السياق، لا تعني الوطنية إلغاء النقاش أو تهميش الرأي، بل تعني أن يكون هذا النقاش مسؤولاً، يهدف إلى البناء لا إلى الهدم، وإلى تعزيز الثقة لا تقويضها. فالمواقف الوطنية لا تُساوَم، ولا تُختزل في ردود الفعل، بل تُبنى على ثوابت راسخة تحكم سياسة الدولة وتوجّه قراراتها. والوعي بهذه الحقيقة هو ما يميز بين النقد البنّاء الذي يخدم الوطن، وبين الخطاب الذي يضعف تماسكه في لحظات حرجة.
إن الوقوف مع الوطن في زمن الأزمات ليس خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. فحين تتصاعد التحديات وتتداخل المخاطر، يصبح التماسك الداخلي خط الدفاع الأول، وتغدو وحدة الصف صمام الأمان الذي يحول دون الانزلاق إلى الفوضى أو الارتباك. وفي مثل هذه الظروف، لا يُقاس وعي الشعوب بحجم شعاراتها، بل بقدرتها على تغليب المصلحة الوطنية العليا، وعلى إدراك أن الخلافات مهما كانت مشروعة يجب ألا تتحول إلى عوامل إضعاف في لحظات مفصلية. إن الوطن، في أوقات الأزمات، يحتاج إلى وعي جماعي يُدرك أن الاستقرار ليس أمراً مسلّماً به، بل هو إنجاز يُصان بالمسؤولية المشتركة، وبالثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا، تبقى عبارة “مع الوطن في الصواب والخطأ” دعوة إلى انتماء واعٍ لا يقوم على التبعية، بل على الشراكة الفاعلة، ولا على الصمت، بل على تحمّل المسؤولية. وهي تعبير عن التزام عميق بأن يكون المواطن شريكاً في صون الدولة وتعزيز مناعتها، لا مجرد متفرج على مسارها. هذا الانتماء يتجلى في السلوك اليومي، في احترام القانون، وفي دعم المؤسسات، وفي تبنّي خطاب مسؤول يبتعد عن التشكيك الهدّام ويقترب من النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح. كما يعني أن يدرك الفرد أن قوة الوطن تنعكس في وعي أبنائه، وأن تماسك المجتمع هو الركيزة الأساسية للاستقرار.
فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية نعيش فيها، بل كيان حيّ يجمعنا على قيم مشتركة، نحميه بوحدتنا، ونصونه بثباتنا، ونبنيه بإرادتنا وعملنا، مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات من حولنا.