كتب الدكتور طارق حجاوي بعد ٢٠ عامًا على دراسة الطب في الجامعة الأردنية …
ما لايُقال في بيئة تدريب المستشفيات ، أكتب اليوم حتى لانخسر طبيبا اخر غدا !
رحيل الاطباء المتدربين و طلاب الطب لا يمر كخبرٍ عابر ، لا أكتب هنا كطبيب نفسي فقط بل كطبيب عاش بعضًا من ثقل معاناة الدوام في المستشفيات التعليمية و لأني أعرف جيدا ان مايحدث داخل بعض المستشفيات التعليمية ( مستشفى الجامعة الاردنية الذي كنت أحد طلابه ) لا يقتصر على ضغط جدول المناوبات والتدريب والتنافس الاكاديمي والتنمر فقط ! فخلال سنوات التدريب يتعلم الطبيب كيف يتعامل مع الألم الجسدي للمريض لكن لا أحد يعلمه كيف يتعامل مع ألمه هو ! يتعلم كيف ينقذ حياة الاخرين لكن لا أحد يعلمه من ينقذه هو !
طالب الطب يُرى كرمز للقوة والانضباط والنجاح لكن الجانب الاخر هو ساعات طويلة من الدراسة مع خوف من الفشل و مع تراكم الاجهاد المزمن chronic stress تبدأ المعاناة الصامتة دون انتباه من احد لان طلاب الطب كغيرهم ينجحون لبعض الوقت (بالتمثيل الوظيفي ) يذهب للجامعة مبتسمًا لكنه داخليا يعيش صراعا لايُرى ( الاكتئاب عالي الاداء ) High functioning depression .
أذكر أنني عندما كنت طالبا في كلية الطب بالحامعة الأردنية ( التي افتخر بها ) قبل حوالي عشرين عاما و بعد ازمة حرب العراق ومع قدوم الكثير من طلبة الطب الاردنيين من الجامعات العراقية للالتحاق بالجامعة الاردنية سأل احد الاستشاريين أثناء المرور الصباحي على المرضى سأل بكل غرور أحد الطلبة ، يافلان احنا تعليمنا أقوى من جامعتكم في العراق مش هيك ؟! فأجابه الطالب بلغة عفوية بسيطة ( مش أقوى لكن هون أصعب ) فسأله الاستشاري مرة أخرى كيف يعني ؟! أجاب الطالب هون بيئة Toxic أكثر !
صحيح فكل عناصر البيئة السامة تظهر مكتملة الاركان ! بيئة عالية الضغط ، منخفضة الدعم ، يغيب فيها الأمان النفسي (Psychological Safety) ويُطبع فيها الألم النفسي كـ “جزء طبيعي من التدريب (شد حيلك ، كلنا كنا هيك ، ضايل كم سنة وبتخلص ) ، التعليم مع الإهانة (Humiliation-based teaching)
هذه الثقافة تخلق:
Suppressed distress
Shame in help-seeking , Lack of Psychological safety
وكلها عوامل خطر مباشرة للاكتئاب !
يعني المشكلة ليست في طالب طب لم يتحمّل…
المشكلة في بيئة أقنعت الجميع أن الألم طبيعي، وأن طلب المساعدة ضعف .
الان وبعد دراستي للطب النفسي وتجربتي في المستشفيات الجامعية اعتقد جازمًا أن أحد أهم أسباب هذا الضغط الهائل على الطلبة والمقيمين هو التنمّر ! نعم التنمر لانه اصبح جزءا من الثقافة الطبية في اروقة المستشفيات التعليمية !
ولدي الكثيييير من قصص التنمر التي كنت شاهد عيان عليها و لو عاد بي الزمن لساعدت الطلبة في أخذ حقوقهم من الاستشاريين المتنمرين عليهم .
حتى ان احد اكثر الاطباء الاستشاريين المتنمرين قد توفي و وصلني خبر وفاته من خلال الرسائل عبر جروبات الواتس اب بين الاطباء بنفس الصيغة ( هلك الدكتور الفلاني ! ) نعم يقولون انه هلك كما نتحدث عن هلاك الطغاة بدلا من الدعوة له بالرحمة ( من كثر الويلات والتنمر التي اذاقها للطلبة ) ،، و كثير من الزملاء الاستشاريين العائدين من الاختصاص من الخارج ( اوروبا وامريكا ) والذين كان يشهد لهم باللطف واللباقة اثناء فترة تدريبي (benign doctor) كما يقال بلغة الاطباء ،، سمعت عنهم انهم أصبحوا أكثر شراسة و تنمّرا ممن سبقوهم (malignant doctor )
عندما لا يوجد نظام رقابي واضح على سلوك الاستشاريين، تتشكل بيئة تسمح بـ:
• التنمر (Bullying)
• الإذلال العلني (Public Humiliation)
• التهديد بالتقييم أو الرسوب
• استغلال السلطة (Abuse of Authority)
وهذا لا يكون “سلوك فردي فقط بل يتحول إلى:
نمط ثقافي متكرر ، في الطب النفسي، الإذلال المتكرر + الخوف =
Micro-trauma cumulative effect
ومع الوقت يتحول إلى:
أعراض اكتئاب ، قلق شديد ، أحيانًا PTSD-like symptom وليس من المبالغة القول ان بعض الأطباء يخرجون من التدريب بضرر نفسي دائم ، ثم ماذا ؟!
الطالب الذي تعرّض للتنمر…
يصبح مقيمًا
ثم استشاريًا…
ويكرر نفس السلوك .
رحم الله من فقدنا من طلابنا ، وسامحنا على تقصيرنا .
طارق الحجاوي
طبيب نفسي
#طبيب
#طالب_الطب