التل يكتب: ماذا يُراد من الشرق الأوسط ؟! مَن يقدّس مَن؟!

 

د.مصطفى التل

المشهد الأول

البارحة كنت مع صديق قديم.. هو مسيحي فلسطيني الأصل، يقيم في الخارج منذ سنوات. اتصل بي يسأل: "هل سمعت ماذا قال نتنياهو عن المسيح؟" قلت له: سمعت.
قال بصوت مبحوح: "يقارن سيدنا بجنكيز خان؟! هذا الذي قال عنه المسيح 'أحبوا أعداءكم' يقارنونه بمن قتل الملايين باسم القسوة؟!" 
حاولت أن أهدئه، لكنه انفجر: "المشكلة يا صديقي ليست في نتنياهو فقط.. المشكلة في الذين يدعمونه بأموالهم وصلواتهم هناك، في أمريكا، أولئك الذين ينتظرون عودة المسيح ليحرق العالم!"

سكتُّ قليلاً، ثم قلت له: "هل تعلم أن بعض هؤلاء يعتقدون أن الحرب على إيران هي جزء من خطة إلهية لظهور المخلص؟" صمت للحظة ثم قال: "أي مخلص هذا الذي يأتي على جثث أطفال غزة؟ وأي مسيح هذا الذي يبارك مَن يهين المسيح؟!"

اتفقنا في نهاية النقاش على شيء واحد: أن هناك خلطًا عجيبًا يحدث.. خلط بين الدين الصهيوني  والتوظيف، وبين الإيمان والمصالح، وبين انتظار المخلص وصناعة المذابح باسمه.

المشهد الثاني
لأكثر من ثلاثين مرة، عدت إلى تصريح نتنياهو الذي قال فيه: "ليس للمسيح عيسى أي ميزة على جنكيز خان.. لأنك إذا كنت قويًا بما يكفي، ووحشيًا بما يكفي، فإن الشر سينتصر على الخير" .

هذا التصريح لم يصدر من شخص عادي، بل من رئيس وزراء دولة تحتل القدس، وتتحدث باسم "الدين اليهودي"، وتستند في بقائها على دعم أكبر شريحة مسيحية في العالم.. أولئك الذين يُطلق عليهم "الصهاينة المسيحيون" .

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي علّق على الحادثة بكلمات موجعة: "بالنسبة لرجل يعتمد بشكل كبير على حسن نية المسيحيين في الولايات المتحدة، فإن ازدراء نتنياهو العلني للمسيح عيسى أمر لافت للنظر" .

وأضاف: "مدحه غير المقيد لجنكيز خان، أكثر سفّاح رأته منطقتنا، يتناسب أيضًا مع وضعه الحالي كمجرم حرب مطلوب" .

لم يكن هذا التصريح زلة لسان عابرة.. كان كشفًا لمنهج كامل ,  إنه المنهج الذي يرى أن القوة وحدها هي التي تصنع الحق، وأن الأخلاق والدين مجرد أدوات تُستخدم عند الحاجة وتُرمى عند المصلحة.

المشهد الثالث

لكن الأكثر إثارة من تصريح نتنياهو نفسه هو من يدعمونه في أمريكا ,  هناك شريحة من المسيحيين الإنجيليين تؤمن بما يُسمى "نظرية نهاية الزمان" (Dispensationalism)، وهي تعتقد أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وبناء الهيكل وإقامة الحروب هي مقدمة ضرورية لعودة المسيح الثاني .

(جون هاجي) مؤسس منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" التي تضم أكثر من 10 ملايين عضو، قال في خطبة له مطلع مارس 2026، مع بداية الحرب على إيران: "نبوئيًا، نحن في الموعد تمامًا" .

وتابع: "لتكن الحرب حتى يُحضر الله القدير إلى ساحة المعركة، ويتم تدمير أعداء صهيون وأعداء الولايات المتحدة أمام أعيننا" .

سألت صديقي القس الفلسطيني عن هؤلاء، فقال: "هؤلاء لا يحبون اليهود.. هم يحتاجونهم فقط لتحقيق نبوءاتهم ,  في نهاية السيناريو الخاص بهم، اليهود إما أن يعتنقوا المسيحية أو يهلكوا ,  وأما نحن العرب والمسلمون والمسيحيون الأصليون في الأرض، فنحن مجرد عقبة في الطريق" .

المشهد الرابع

تأثير هذه الفئة لم يعد مقتصرًا على الكنائس، بل انتقل إلى دوائر القرار في واشنطن.

(مايك هاكابي)  حاكم أركنساس السابق، عُيّن سفيرًا لأمريكا لدى إسرائيل في 2025. هاكابي هو قس معمداني وقائد صهيوني مسيحي معروف، قال في إحدى تصريحاته: 
"أعتقد أن الكتاب المقدس واضح: سأبارك مباركيك، وألعن لاعنيك. أريد أن أكون في جانب البركة، وليس في جانب اللعنة" .
يبدو أن هذه الأفكار تسربت أيضًا إلى الجيش الأميركي , منظمة "مؤسسة الحرية الدينية العسكرية" تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود أميركيين أفادوا بأن قادتهم العسكريين وصفوا الحرب على إيران بأنها جزء من خطة إلهية مرتبطة بنهاية الزمان .

(مايكل واينستين)  رئيس المؤسسة  قال لصحيفة الغارديان: "كلما تورطت أمريكا أو إسرائيل في الشرق الأوسط، نتلقى هذه الادعاءات حول القوميين المسيحيين الذين استولوا على حكومتنا، وبالتأكيد على جيشنا" .

المشهد الخامس

هؤلاء الصهاينة المسيحيون لا يرون في الحرب على إيران مجرد صراع جيوسياسي، بل يرونها جزءًا من صراع أبدي بين الخير والشر، بين الله والشيطان، بين إله إسرائيل وأعدائه .

(لانس والنو)  أحد قادة حركة "الإصلاح الرسولي الجديد"، قال في بث تلفزيوني بعد بدء الحرب: "يسوع عاد إلى الطاولة" في إشارة إلى أن الحرب تعيد الأمور إلى مسارها الإلهي.


(غريغ لوري)  القس الكاليفورني الشهير، تنبأ بمسار الأحداث قائلاً: "عندما يسقط الدومينو الأول، ستسقط الأخرى: ظهور ضد المسيح، فترة الضيق، معركة هرمجدون، المجيء الثاني، وأخيرًا ألف سنة من حكم المسيح" .

تأمل معي هذه العبارة: معركة هرمجدون,  إنها ليست مجرد كلمة في كتاب مقدس، بل أصبحت هدفًا يسعى إليه صناع القرار في واشنطن وتل أبيب .

إنهم لا يريدون السلام، لأن السلام يؤجل نبوءاتهم , إنهم يريدون الحرب، لأن الحرب بالنسبة لهم هي مفتاح الخلاص.

المشهد السادس
ابنتي الصغيرة لعنود ، في الصف اخامس الابتدائي، سألتني الأسبوع الماضي: "بابا، ليش في ناس بتحارب عشان الله ييجي؟"  , توقفتُ طويلاً أمام السؤال. كيف أشرح لطفلة أن هناك من يعتقد أن ظهور المخلص يحتاج إلى جثث الأطفال؟!

قلت لها: "يا بنيتي، هناك ناس قرأوا الكتب المقدسة بطريقة خاطئة, ظنوا أنهم يستطيعون استعجال موعد الله بحروبهم ,  لكن الله لا يحتاج إلى حروب البشر ليظهر."

نظرت إليّ بعيون طفلة لم تستوعب، ثم قالت: "يعني هم كذابين؟"
قلت: “ليس كذابين، بل ضالين. ضلوا الطريق وظنوا أنهم يعبدون الله وهم يعبدون سلطتهم وكرسيّهم.”

المشهد السابع

هذا الذي يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس حربًا عادية ,  إنها حرب يُستخدم فيها الدين من طرفين:

طرف يهين المسيح علنًا ويقول إن القسوة وحدها هي التي تصنع النصر .

وطرف آخر يبارك هذه الإهانة ويصلي من أجل استمرار الحرب لأنها تحقق نبوءاته عن المخلص .

بين هذين الطرفين، هناك مسيحيو الشرق الأوسط الحقيقيون، الذين يعود وجودهم إلى ألفي سنة، والذين لا يعرفهم هؤلاء ولا يريدون معرفتهم.

وهناك المسلمون الذين يعتبرون المسيح نبيهم وقدوتهم ,  وهناك الفلسطينيون والعرب الذين يدفعون الثمن كل يوم.

في مقاله السابق، تحدث المحامي بشير المومني عن فصل الدين عن السياسة,  لكن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا: الدين حاضر في قلب السياسة، لكنه ليس دين السماء، بل دين صنعه البشر على مقاس مصالحهم.

نتنياهو يهين المسيح، والصهاينة المسيحيون يصفقون، والحرب تستعر، والأطفال يموتون، والمخلص الذي ينتظرونه لا يأتي ,لأن المخلص الحقيقي لا يأتي على جثث الأبرياء.
المسألة ليست: هل الدين محرك للسياسة؟  , المسألة: أي دين؟ دين من؟ ولمن؟
فليعتبر أولو الألباب