الجزائر تحتفل بذكرى اتفاقات الاستقلال وتجريم الاستعمار

احتفلت الجزائر اليوم الخميس بمرور 64 سنة على بدء تنفيذ اتفاقات إيفيان التي وضعت حداً لـ132 عاماً من الاحتلال الفرنسي. ويأتي هذا الاحتفال في وقت تمر فيه العلاقات مع مستعمر الأمس بامتحان في غاية التعقيد وسط محاولات متعثرة للخروج من أزمة حادة خيمت على الروابط الثنائية منذ أشهر طويلة.

وزاد من صعوبة المشهد التوجه نحو سن نسخة قوية من قانون الاستعمار في الجزائر، التي تضمنت في مسوداتها الأولى مواد حادة ضد الطرف الآخر. قبل أن يتم التراجع عن كثير منها في النسخة النهائية، ما يعكس، حسب ملاحظين، صعوبة بالغة في تجاوز آلام الماضي وفشل محاولات بناء روابط طبيعية طوال العقود الستة الماضية.

يُخصص هذا اليوم في الجزائر عيداً للنصر الذي يوافق 19 مارس 1962 كـتاريخٍ لانتهاء المفاوضات حول الاستقلال بين ممثلي الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ووفد عن الحكومة الفرنسية.

الرئيس تبون يتحدث عن الاستقلال

وفي هذه المناسبة، أكد الرئيس عبد المجيد تبون في خطاب مكتوب نشرته الرئاسة أن الاستقلال سُقي بأنهار من الدماء. منتقداً الوجه القبيح للاستعمار ومذكراً بتضحيات الشعب الجزائري لاسترجاع حريته. وأبرز أن جيل اليوم يواصل ملاحم الرعيل الأول عبر معركة البناء والتشييد، متعهداً بالوفاء لوديعة الشهداء والتمسك برسالتهم الوطنية.

وأوضح تبون أن الهيمنة الاستعمارية على بلاده أبرزت وجه الاستعمار الاستيطاني الظالم، الخالي من كل القيم الإنسانية، المنغمس في القتل والتدمير والنهب. وشدد على أن الاستعمار نفسه ارتجف وتزعزع أمام قوة الحق وأمام سنن الكون التي أنصفت عبر التاريخ طالبي الحرية.

كما شدد تبون على أن ذكرى الثورة المجيدة لا تُمحى أبداً. ثورة قادها أبطال آمنوا إما بحياة حرة كريمة أو بموت في سبيل الشهادة، واحتضنها شعب متمسك بجذوره في أرضه وغيور على هويته.

تحديات اقتصادية وسياسية

وبحسب تبون، تواجه الجزائر حالياً تحديات مرتبطة ببناء صمودها الاقتصادي وتعزيز حصون سيادتها في سياق إقليمي ودولي غير مستقر. موضحاً أنها رسمت طريقها وجعلت من بين أولوياتها تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني عبر إنجازات كبرى مهيكلة ومتكاملة.

وأشار إلى أن المشروع التنموي الاستراتيجي الطموح والمتعدد الأبعاد يتجسد على أرض الواقع بفضل إرادات وطنية صادقة وجهود متضافرة. وأكد أن الجزائر منتصرة بمشاركة الجميع، وأن آمال الجزائريات والجزائريين ستتحقق.

أشرف على تنظيم الاحتفالات وزير المجاهدين عبد المالك تاشريفت ووالي الجزائر العاصمة عبد النور رابحي، إلى جانب مجاهدين ومسؤولين مدنيين وعسكريين. حيث تم رفع العلم ووضع أكاليل الزهور على النصب التذكاري للشهداء بوسط المدينة.

ذكرى اتفاقات إيفيان

يذكر أن اتفاقات إيفيان التي جرت بسويسرا أنهت حرباً شرسة بين جيش التحرير الوطني والقوات الاستعمارية استمرت 7 سنوات. وأسفرت عن سقوط نحو 1.5 مليون شهيد جزائري، إضافة إلى آلاف الضحايا من الجانب الفرنسي.

وشملت الاتفاقات، إلى جانب وقف القتال، تنظيم مرحلة انتقالية لنقل السيادة إلى الجزائر ورسم ملامح العلاقات المستقبلية بين البلدين. كما نصَّت على نقل السلطة إلى الحكومة الجزائرية بعد الاستقلال.

ومن بين البنود البارزة أيضاً حرية التنقل بين الجزائر وفرنسا، وهو الملف الذي أصبح اليوم من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين. فقد تصاعد التوتر في العامين الأخيرين على خلفية الدعم الفرنسي لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

قانون تجريم الاستعمار

ويميز ذكرى عيد النصر هذه السنة إطلاق قانون يخص تجريم الاستعمار، جرى تداوله نهاية 2025 بالغرفة البرلمانية السفلى، في وقت شهدت فيه العلاقات مع فرنسا تصعيداً حاداً. ويعد سنه، بحسب قطاع واسع من الملاحظين، بمثابة حلقة من حلقات هذا التوتر.

وفي صيغته الأولى، كان القانون يتضمن مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا. لكن تم حذف هذين البندين بعد خلافات داخل البرلمان، مما يفهم منه أن الجهات العليا في البلاد هي التي أمرت بصيغة منقحة للنص.

تسعى الجزائر من خلال هذا القانون إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه جريمة دولة وتوثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية.