القس الأب سامر عازر يكتب: الآلام والتعزيات
القس الأب سامر عازر
المعادلة التي يطرحها الكتاب المقدس تبدو للوهلة الأولى غريبة، لكنها في عمقها مملوءة رجاءً: كلما كثرت الآلام، كثرت معها التعزيات. إنها ليست دعوة إلى تمجيد الألم بحد ذاته، بل إلى اكتشاف حضور الله الخفي في قلب المعاناة.
منذ فجر التاريخ، يواجه الإنسان سؤال الألم: لماذا نتألم؟ أين الله من أوجاعنا؟ ولماذا يسمح بكل هذا القدر من الحزن والضيق؟ هذه أسئلة فلسفية ولاهوتية عميقة، وقد تبقى في كثير من الأحيان بلا إجابات نهائية، لأن سر الألم يتجاوز حدود العقل البشري. ومع ذلك، يمكننا أن نلمس بعض ملامح هذا السر في واقع حياتنا اليومية.
الألم، في جوهره، ارتبط بضعف الطبيعة البشرية وباختلال النظام الذي أراده الله صالحًا. فالخطيئة لم تُفسد فقط علاقة الإنسان بالله، بل تركت آثارها على الخليقة كلها، فجاءت معها آلام كثيرة، بعضها يبدو بلا معنى أو مبرر. لكن إيماننا لا يقف عند حدود هذا الواقع المؤلم، بل يتجاوزه نحو رجاء أعظم.
إن الركيزة الأساسية في عقيدتنا هي أن الله هو إله كل المراحم، أبو الرأفة، الذي لا يريد الشر للإنسان، بل خلاصه وشفاءه. فأفكاره نحونا هي أفكار سلام لا أفكار شر. ومن هنا، لا يمكن أن يكون الله بعيدًا عن آلامنا، بل هو حاضر فيها، متألم معنا، وسائر معنا في دروب الضيق والألم.
في كل محنة، يرافقنا الله كما رافق سمعان القيرواني المسيح في حمل الصليب. إنه لا يرفع عنا الحمل دائمًا، لكنه يعطينا القوة لنحمله. يمنحنا تعزيات داخلية عميقة، سلامًا لا يُفسَّر، وعزيمة للاستمرار.
وهنا تكمن المفارقة: في قلب الألم نفسه، تنبثق التعزية. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "ليس شيء يجعل الإنسان عظيمًا مثل احتماله للآلام بشكر" .فالألم حين يُعاش بروح الإيمان، لا يكسّر الإنسان بل ينضجه ويقوده إلى عمق العلاقة مع الله.
لكن الخطر الحقيقي الذي يواجه الإنسان اليوم، خصوصًا في ظل الحروب والمخاوف والاضطرابات التي تخيّم على عالمنا، هو أن تعمي الآلام والجراحات أعيننا عن رؤية مراحم الله ونعمته. حين يشتد الألم، قد ينغلق الإنسان على ذاته، فيرى فقط الظلمة، ويظن أن الله غائب. بينما الحقيقة أن الله معنا في تلك اللحظات أقرب من أي وقت مضى.
إن التعزية الإلهية لا تعني غياب الألم، بل حضور الله فيه. هي قدرة على أن نرى النور وسط العتمة، وأن نختبر الرجاء رغم كل شيء. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول حين كتب إلى أهل كورنثوس، مؤكدًا أن الله "يعزّينا في كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن نعزّي الذين هم في كل ضيقة" . فالتعزية التي ننالها لا تبقى لنا وحدنا، بل تتحول إلى رسالة رجاء للآخرين. وهنا يتردد صدى كلمات الأم تيريزا: "الألم إذا قُبِل بمحبة، يصبح فرحًا" . لأن المحبة قادرة أن تحوّل المعاناة إلى عطاء، والجرح إلى ينبوع تعزية للآخرين.
لقد اختبرت الكنيسة عبر الأجيال هذه الحقيقة: فهي كنيسة متألمة، لكنها في الوقت ذاته منتصرة. آلامها لم تكن يومًا علامة هزيمة، بل طريق عبور نحو القيامة. وكذلك حياة المؤمن: الألم ليس النهاية، بل مرحلة في مسيرة تقود إلى المجد.
وفي شخص المسيح، نجد الجواب الأعمق. فآلامه لم تنتهِ في القبر، بل بلغت ذروتها في القيامة. وهكذا، كل ألم يُعاش بالإيمان يتحول إلى بذرة حياة جديدة. طوبى للمتألمين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات، ف-”من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص”.
في عالمنا اليوم، حيث تتكاثر الجراح وتتعالى أصوات الخوف، نحن مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى أن نرفع أنظارنا، لا لنتجاهل الألم، بل لئلا نستسلم له. مدعوون أن نرى، وسط الركام، يد الله العاملة، وقلبه النابض بالمحبة.
فالآلام، مهما اشتدت، ليست الكلمة الأخيرة. التعزية هي وعد الله لنا، والرجاء هو الطريق، والمحبة هي القوة التي تحفظنا. وعندما لا تَعمي الجراح أعيننا، نكتشف أن الله لم يتركنا يومًا، بل كان ولا يزال يسير معنا، يحوّل الألم إلى نعمة، والدموع إلى بداية قيامة جديدة.