التل يكتب: شهداء مكافحة المخدرات... الأمر بالمعروف بدمائهم والنهي عن المنكر بأرواحهم
د.مصطفى التل
في ليلة من ليالي الأردن، كان ثلاثة من رجال الأمن العام على موعد مع الشهادة. خرجوا لا يبتغون مالاً ولا جاهاً، بل خرجوا ليؤدوا واجباً مقدساً: "مداهمة مطلوبين خطيرين يتربصون بشباب الوطن عبر آفة المخدرات" , استشهدوا وهم يؤدون المهمة، تاركين خلفهم جرحاً في القلب، ووسام فخر على جبين الوطن.
هؤلاء الأبطال من إدارة مكافحة المخدرات لم يكونوا مجرد موظفين حكوميين يؤدون وظيفة روتينية , كانوا جنوداً في أشرف المعارك، معركة الحفاظ على العقول والنفوس من السموم , هم الذين حملوا راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن الأمة كلها، فكانوا الذراع التنفيذي لهذه الفريضة العظيمة.
الفريضة التي تحتاج إلى نظام... والشرطة التي تحتضن المسؤولية
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم، كما قال تعالى
: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.
لكن هذه الفريضة لا يمكن أن تترك للاجتهادات الفردية أو الفوضى، بل تحتاج إلى نظام يحكمها، وإلى جهة تمتلك القوة والصلاحية لتطبيق جانب "الإنكار باليد" بحكمة وضبط.
هنا يأتي دور رجال الأمن العام، وخاصة إدارة مكافحة المخدرات, هم مَن فوضهم ولي الأمر ، نيابة عن المجتمع، ليقوموا بهذا الواجب.
عندما يداهمون وكراً للمروجين، إنما ينهون عن منكر خطير يهدد النسيج الاجتماعي , عندما يضبطون شبكات الترويج، إنما يأمرون بمعروف الحفاظ على شباب الأمة وأجيالها القادمة , هم يؤدون ما عجزت عنه ألسنتنا، ويقومون بما تقصر عنه أيدينا.
النيابة عن الأمة... دم الشهيد في كفة الميزان
إذا كان النبي ﷺ قد جعل من يُقتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه شهيداً، فكيف بمن يُقتل وهو يدافع عن كل هذه المقدسات مجتمعة؟! رجل الأمن في مكافحة المخدرات يدافع عن:
- دين المجتمع وأخلاقه، التي تدمرها المخدرات.
- أهل المجتمع وأبناءه، الذين يستهدفهم المروجون.
- أموال المجتمع، التي تُنهب في تجارة الموت.
- دماء الأبرياء، التي تُزهق بسبب جرائم المخدرات والعصابات.
لذلك، عندما يسقط أحدهم شهيداً على أيدي المجرمين، فهو ليس مجرد موظف قضى نحبه، بل هو مجاهد في سبيل الله، آمر بالمعروف بدمائه، ناه عن المنكر بروحه, قال رسول الله ﷺ: " مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ لِيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" .
الشراكة المجتمعية... تكامل الأدوار لا إلغاؤها.
إن استشهاد هؤلاء الأبطال يذكرنا جميعاً بأن المسؤولية مشتركة , الشرطة وحدها لا تستطيع أن تكسب المعركة دون وعي مجتمعي ودون تعاون حقيقي من المواطنين. دورنا نحن:
- التوعية: حماية أبنائنا من خطر المخدرات بالحوار والرقابة.
- الإبلاغ: التعاون مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
- الدعم المعنوي: تقدير تضحيات رجال الأمن الأحياء منهم والشهداء.
- الوقاية: خلق بيئة مجتمعية صحية تبعد الشباب عن دوامة الإدمان.
دماؤهم نور على الدرب
استشهد اليوم ثلاثة من أبطال الأردن، لكنهم لم يموتوا, هم أحياء عند ربهم يرزقون .
دماؤهم الزكية التي روت تراب هذا الوطن ستكون نبراساً يضيء الطريق لزملائهم، ودافعاً لنا جميعاً لنكون أوفياء لتضحياتهم.
رحم الله شهداء مكافحة المخدرات، وتقبلهم في عداد الشهداء الأبرار، وألهم أهلهم وذويهم وزملاءهم الصبر والسلوان. وحفظ الله الأردن وأهله من كل مكروه، وسائر بلاد المسلمين.
عظم الله أجورنا وأجوركم... وإنا لله وإنا إليه راجعون.