الحباشنة يكتب: الأردن يكسر الجمود في زمن التصعيد
جولة يقودها الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى الخليج تعيد طرح الدور العربي في مواجهة أخطر أزمات المنطقة
بقلم: اللواء المتقاعد طارق الحباشنة
في ظل مرحلة إقليمية بالغة التعقيد، تتسارع فيها التحولات وتتصاعد فيها حدة التوترات، يبرز الدور الأردني بقيادة الملك عبد الله الثاني بن الحسين بوصفه نموذجًا للدبلوماسية الهادئة والفاعلة، التي تستند إلى قراءة دقيقة لمجريات الأحداث واستشراف مآلاتها. وفي وقت تعيش فيه المنطقة على وقع تداعيات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وجمهورية إيران الإسلامية من جهة أخرى، جاءت الجولة الخليجية لجلالته لتؤكد أن الأردن حاضر في قلب المشهد، لا كمراقب، بل كفاعل يسعى إلى توجيه بوصلة الأحداث نحو التهدئة والاستقرار.
وقد استهل جلالته هذه الجولة بزيارة الإمارات العربية المتحدة، ثم واصل تحركه إلى دولة قطر، قبل أن يختتمها في مملكة البحرين، في مسار يعكس حرصًا واضحًا على التواصل المباشر مع القيادات الخليجية، في لحظة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتشاور. وتكتسب هذه الزيارات أهميتها من توقيتها الدقيق، إذ لم تأتِ في سياق بروتوكولي معتاد، بل ضمن تحرك استباقي يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المخاطر التي قد تترتب على استمرار التصعيد الإقليمي دون ضوابط.
ما يميز هذه الجولة أنها تعكس انتقال الأردن من موقع المتأثر بالأحداث إلى موقع المؤثر فيها، حيث يسعى جلالته إلى بناء أرضية مشتركة لمواقف عربية أكثر انسجامًا، بما يسهم في الحد من تداعيات الأزمة، ويحول دون انزلاق المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار. فالحوار المباشر مع دول الخليج، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، يشكل ركيزة أساسية لأي جهد عربي جماعي يهدف إلى احتواء الأزمة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بأمن الطاقة، واستقرار الأسواق العالمية، وأمن الممرات البحرية الحيوية، إلى جانب ضرورة إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في صلب الاهتمام الإقليمي والدولي.
وتحمل هذه الجولة في مضامينها رسائل سياسية متعددة الاتجاهات؛ فهي تعكس من جهة حرص الأردن على تعزيز وحدة الصف العربي وتجاوز التباينات في ظل التحديات الكبرى، وتؤكد من جهة أخرى للمجتمع الدولي أن المنطقة تمتلك من الحكمة والقدرة ما يؤهلها لصياغة مواقفها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. كما توجه رسالة واضحة إلى الأطراف المنخرطة في الصراع مفادها أن الاستمرار في النهج التصعيدي لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، وأن الحلول السياسية القائمة على الحوار تظل الخيار الأكثر واقعية واستدامة.
وفي هذا السياق، تعزز هذه التحركات من مكانة الأردن كوسيط موثوق قادر على بناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف، مستفيدًا من شبكة علاقاته المتوازنة عربيًا ودوليًا، ومن رصيده التاريخي في التعامل مع الأزمات بحكمة واعتدال. ولا تقتصر أهمية هذه الجولة على التعامل مع تداعيات المرحلة الراهنة، بل تمتد لتؤسس لمرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، القائم على التنسيق العملي والواقعي، بما يعزز من قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات المستقبلية بروح جماعية أكثر تماسكًا.
وفي المحصلة، تمثل الجولة الخليجية التي قادها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين تحركًا سياسيًا عميق الدلالات، يعكس رؤية استراتيجية واضحة تسعى إلى حماية استقرار المنطقة وتعزيز أمنها، ويؤكد في الوقت ذاته أن الدبلوماسية الأردنية ما تزال قادرة على لعب دور محوري في لحظات التحول الكبرى. إنها ليست مجرد زيارات رسمية، بل جهد سياسي متكامل لإعادة ترتيب الأولويات، وترسيخ نهج الحوار، والتأكيد على أن العمل العربي المشترك يظل الخيار الأجدى في مواجهة التحديات المصيرية التي تمر بها المنطقة.