الفرجات يكتب: الأسعار في مواجهة العاصفة… تشخيص صريح وحلول لا تحتمل التأجيل

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار في الأردن تحذيراً نظرياً، بل أصبح واقعاً يتشكل تدريجياً أمام أعيننا، مدفوعاً بموجة عالمية من ارتفاع أسعار النفط، واضطراب سلاسل التوريد، وتزايد كلف الإنتاج. 
نحن لا نقف على أعتاب أزمة عابرة، بل أمام تحدٍ مركّب يهدد بنقل الاقتصاد من حالة الضغط إلى حالة الاختناق إن لم تُتخذ إجراءات حاسمة وسريعة.

أولاً: تشخيص التحدي… أين تكمن المشكلة فعلاً؟
المشكلة ليست في ارتفاع سعر سلعة بعينها، بل في سلسلة تضخمية مترابطة تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند المستهلك:
النفط كقائد للموجة
أي ارتفاع في أسعار النفط يرفع مباشرة كلف النقل، والكهرباء، والتشغيل الصناعي.

النقل كحلقة تضخيم
كلف النقل المرتفعة تتحول إلى زيادة على أسعار جميع السلع، دون استثناء، خصوصاً الغذائية.

الصناعة والإنتاج تحت الضغط
المصانع والمزارع تعمل بهوامش ربح محدودة، وأي ارتفاع في الكلف يدفعها إما لرفع الأسعار أو تقليص الإنتاج.

سوق غير منضبط بالكامل
جزء من ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالكلفة الحقيقية، بل بالمبالغة والاستغلال وغياب الرقابة الفاعلة.

المواطن الحلقة الأضعف
دخل شبه ثابت في مواجهة تضخم متحرك، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع الفجوة الاجتماعية.
هذه المعادلة، إن تُركت دون تدخل، ستقود إلى تضخم متسارع يصعب كبحه لاحقاً.

ثانياً: الخطر الحقيقي… ما الذي قد نواجهه؟
إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فإننا أمام سيناريو مقلق يتمثل في:
ارتفاع متتالي في أسعار الغذاء والخدمات
تآكل الطبقة الوسطى بشكل أسرع
انكماش اقتصادي نتيجة ضعف القدرة الشرائية
ارتفاع كلف الإنتاج المحلي وفقدان التنافسية
احتقان اجتماعي صامت قد يتحول إلى أزمة

الخطر هنا ليس اقتصادياً فقط، بل يمس الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.

ثالثاً: الحلول… ماذا يجب أن نفعل فوراً؟
المطلوب اليوم ليس مسكنات، بل حزمة قرارات جريئة ومترابطة تعالج جذور المشكلة:
1. كسر الحلقة الأولى: كلف النقل
دعم مباشر ومؤقت لكلف نقل السلع الأساسية (الغذاء والدواء).
تسقيف أو ضبط أجور نقل محددة ضمن معايير واضحة.
تسريع تفعيل النقل الجماعي لتخفيف الضغط على الوقود.

2. ضبط السوق بصرامة
إنشاء نظام رقابة ذكي يربط الأسعار بالكلف الفعلية.
فرض عقوبات حقيقية على التلاعب ورفع الأسعار غير المبرر.
إعلان تسعيرات استرشادية للسلع الأساسية بشكل دوري.

3. تخفيف العبء الضريبي المرحلي
مراجعة الضرائب على المشتقات النفطية بشكل مرن ومؤقت.
تخفيف الرسوم على مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.
تحفيز القطاعات الإنتاجية بدل تحميلها مزيداً من الأعباء.

4. حماية الإنتاج الوطني
دعم مباشر للصناعات الغذائية والزراعية الأكثر تأثراً.
تقليل الاعتماد على المستوردات التي تتأثر بتقلبات النفط.
تشجيع الطاقة البديلة داخل المصانع والمزارع.

5. حماية المواطن مباشرة
توجيه دعم نقدي ذكي للفئات الأكثر تضرراً.
ربط أي سياسات اقتصادية بقدرة المواطن على التحمل.
تعزيز الشفافية لطمأنة الناس ومنع “الذعر السعري”.

رابعاً: ما لا يجب أن يحدث
هناك أخطاء يجب تجنبها تماماً:
ترك الأسعار ترتفع تلقائياً دون تدخل.
اتخاذ قرارات متأخرة بعد تفاقم الأزمة.
تحميل المواطن كامل كلفة الصدمات الخارجية.
الاعتماد على حلول جزئية غير مترابطة.

وبالنهاية، فالقرار الآن… أو دفع الثمن لاحقاً
الأردن ليس بمعزل عن العالم، لكنه يملك القدرة على إدارة أزماته إذا تحرك مبكراً وبحكمة. ارتفاع أسعار النفط قد يكون خارج سيطرتنا، لكن تحويله إلى أزمة داخلية شاملة هو خيار يمكن تجنبه.

المعركة اليوم ليست مع الأسعار فقط، بل مع الزمن.
إما أن نتحرك سريعاً لنكسر الموجة قبل أن تتضخم،
أو ننتظر حتى تفرض علينا حلولاً أكثر كلفة… وأقل عدالة.