خطاطبة يكتب: تعديلات الضمان.. نافذة للتهرب
محمود خطاطبة
بما أن مشروع قانون الضمان الاجتماعي المُعدّل لعام 2026، قد وصل الآن إلى غرفة التشريع الأولى، والذي قام بدوره بتحويله إلى لجنة العمل والتنمية والسكان النيابية، والتي تناقشه حاليًا مع المُختصين، ومن ثم سيُعاد المشروع إلى النواب لاستكمال الإجراءات الدستورية، فإنه من الضروري التطرق إلى عدة نقاط، لعلها تلقى آذانًا صاغية لدى مجلس الأُمة بغرفتيه: النواب والأعيان.
النقطة الأولى تتعلق بالأشخاص المُشتركين اختياريًا؛ فإذا ما تم تمرير مشروع القانون بالصيغة التي أُرسلت من الحُكومة، أو حتى مع إجراء تعديلات طفيفة عليه من قبل مجلس النواب، فقد تلجأ هذه الفئة إلى عملية يُمكن أن نُطلق عليها “انقطاع” مُحكم ومُخطط له.
فعلى سبيل المثال، فإن المُشترك بالضمان والذي يمتلك 250 اشتراكًا بحلول العام 2030 أو بعده بشهر أو شهرين، سيخسر جُزءًا كبيرًا من راتبه التقاعدي إذا تقاعد مُبكرًا.. في هذه الحالة، قد يلجأ إلى “الانقطاع المُخطط”، أي التوقف عن دفع الاشتراكات بمحض إرادته، حتى يقترب من سن تقاعد الشيخوخة (الوجوبي)، بخمسة أعوام، ثم يستأنف الدفع بعد ذلك.
وإذا تساءل أحدهم عن قانونية هذا “الانقطاع المُخطط”، فالرد هو أن قانون الضمان يمنح راتبًا تقاعديًا لكُل شخص مُشترك، شريطة ألا تتجاوز فترة انقطاعه عن خمسة أعوام، مع استيفائه للشروط الأُخرى.
بعبارة أُخرى، الشخص الذي يتوقف عن دفع اشتراكاته في الضمان الاجتماعي لمُدة خمسة أعوام أو أكثر يفقد حقه في الحصول على راتب تقاعدي، ونحن هُنا نتحدث عن ستين اشتراكًا (شهرًا).. في هذه الحالة، يُمكن للمُشترك تسوية المبلغ المُستحق، ومن ثم يضمن حقه في التقاعد الوجوبي بعدد اشتراكات أقل وتكاليف أقل أيضًا.
بذلك، ستتكبد مؤسسة الضمان خسارة قيمة تلك الاشتراكات، ما يؤثر سلبًا على ملاءتها المالية؛ وهي المؤسسة التي عدّلت قانونها أكثر من مرة بحجة الحفاظ على وضعها المالي.. ولتقدير حجم الخسارة التي ستلحق بمؤسسة الضمان، يكفي أن نعلم أن هُناك 550 ألف أردني يعملون في دول الخليج العربي وحدها، ناهيك عن الأردنيين العاملين في دول أُخرى.
أما النقطة الثانية، فتتناول التهرب من الالتحاق أو الاشتراك بالضمان الاجتماعي. لنفترض أن شخصًا ما بدأ العمل مُباشرة بعد تخرجه من الجامعة، أو في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من عمره، في إحدى شركات أو مؤسسات القطاع الخاص، وتحديدًا تلك التي لا تُعدّ من الشركات أو المؤسسات الكُبرى.
بموجب القانون المُعدل، سيستمر هذا الشخص في دفع الاشتراكات لمؤسسة الضمان الاجتماعي حتى بلوغه سن الخامسة والستين من عمره للحصول على راتب التقاعد الوجوبي.. هذا يعني، أنه سيحتاج إلى العمل لمُدة أربعين عامًا (أربعمائة وثمانون اشتراكًا)، أما إذا اختار التقاعد المُبكر، فيجب عليه تلبية شرط ثلاثمائة وخمسين اشتراكًا، أي العمل لما يُقارب 30 عامًا، وفي هذه الحالة سيتم خصم نسبة 20 بالمائة من راتب التقاعد النظامي المُستحق.
وهُنا، من مصلحة العامل أولًا، ومصلحة صاحب العمل أو رأس المال ثانيًا، عقد اتفاق سري بين الطرفين للتهرب من دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي لعدة أعوام، وذلك حتى يبلغ العامل سن الخامسة والأربعين من عمره، ليبدأ بعدها بدفع الاشتراكات إلى مؤسسة الضمان، وبهذا يُحقق المُشترك الشرط الأساسي لنيل راتب تقاعد الشيخوخة (الوجوبي)، وهو ما يُعادل 240 اشتراكًا، أي ما يُعادل عشرين عامًا من العمل.
تُحقق هذه الطريقة فوائد كبيرة للطرفين (العامل وصاحب العمل)؛ إذ يوفّر العامل ما نسبته 7.5 بالمائة من إجمالي راتبه لمُدة عشرين عامًا (من سن الخامسة والعشرين حتى الخامسة والأربعين)، بينما يوفر صاحب العمل الاقتطاعات التي يفرضها قانون الضمان، والتي تبلغ نسبتها 14.25 بالمائة.. وهُنا الخاسر الوحيد هي مؤسسة الضمان، وللمُتابع أن يتصور حجم الخسائر المالية التي ستلحق بمؤسسة الضمان خلال تلك الأعوام.
وفي حال قال أحدهم إن هذا الإجراء غير قانوني، ولمؤسسة الضمان طُرقها وآلياتها لإلزام الشركة بإشراك عامليها في الضمان، فالرد يكون بأن القانون يسمح لصاحب العمل، بموجب عقد، تعيين أشخاص لفترة ستة أشهر أو ثلاثة أشهر، دون الإلزام بالاشتراك بالضمان الاجتماعي.