منصور يكتب: الحرب والنبوءة والأسطورة
د.عاصم منصور
لا تبدو الوشوم الضخمة التي تغطي ذراع وصدر وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث تعبيرا عن مقاتل متعصب فحسب، بل هي تجسيد فج لثقافة ذات تأثير بالغ في الحرب القائمة اليوم، وفي مجمل الصراع حول فلسطين في القرن الحادي والعشرين. فعلى جسد الوزير تبرز كلمة «كافر» بالعربية، وشعار «Deus Vult» (إرادة الله) وهي الصرخة الشهيرة للمقاتلين الفرنج الذين اجتاحوا الشرق الإسلامي خلال الحروب الصليبية، ثم يأتي صليب القدس فوق موضع القلب من صدر الوزير ليكمل الصورة. هذه الرسوم ليست مجرد نقوش عابرة، بل هي تعبير صريح عن شكل الحروب التي تتجاوز الجغرافية والسياسية لتغوص في أعماق الغيب والتاريخ الديني والنبوءات القديمة.
هذا الاستدعاء الصارخ لرموز الحروب الصليبية في أعلى هرم المؤسسة العسكرية الأميركية ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من سياق أوسع تشكل فيه الحرب الإسرا-أميركية ضد إيران حربا دينية بامتياز. ففي تل أبيب، يستدعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكثر فصول التوراة دموية لتبرير حربه قائلا: «تذكروا ما فعله عماليق بكم». هذا الاستدعاء لقصة «عماليق»، الشعب الذي أمر الرب في العهد القديم بإبادته عن بكرة أبيه، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ليست مجرد استعارة لغوية، بل هو ترخيص ديني للإبادة، وشرعنة للقتل باسم السماء، على لسان مجرم حرب، ما زالت دماء شعب آخر على يديه.
إن توظيف الدين واستخدام النبوءات والأساطير ليس بالأمر الجديد في تاريخ الحروب، فمنذ فجر التاريخ، كانت الجيوش تسير تحت رايات الآلهة، وكانت النبوءات تشعل حماس الجنود وتبرر أفعالهم. والحروب الصليبية نفسها كانت مدفوعة بوعد الخلاص وغفران الخطايا، وما يثير الرعب اليوم هو عودة هذا الخطاب بحدة في عصر يفترض أنه تجاوز الأساطير ليحتكم إلى لغة القانون الدولي ويتفاوض على المصالح والإستراتيجيات.
ويتركز هذا الخطاب الديني في الولايات المتحدة عند اليمين المسيحي الإنجيلي، الذي يرى في الصراع مع إيران تحقيقاً لنبوءات العهد القديم حول معركة «هرمجدون» ونهاية الزمان، فبالنسبة لهؤلاء، الحرب ليست مجرد ضرورة سياسية، بل هي واجب مقدس لتسريع عودة المسيح. والمشكلة أن هذا التيار، الذي يتمتع بنفوذ هائل في السياسة الأميركية، يعلن عن إيمانه بفكرة إسرائيل الكبرى، ويدفع باتجاه مواجهة حتمية مع إيران وفلسطين ولبنان بل والمنطقة، ليس من منطلق حسابات جيوسياسية، بل من منطلق إيمان عميق بنبوءات عمرها آلاف السنين.
وعلى الجانب الآخر في أمتنا، هناك من يستدعي النبوءات، وأخبار آخر الزمان محاولا إسقاطها على سياق الأحداث، وتبرز هنا خصوصية للمذهب الإمامي في هذه المعركة حيث النبوءات الشيعية حول التمهيد لظهور الإمام الغائب الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وفي هذا الخطاب، الحرب ليست مجرد دفاع عن مصالح قومية، بل هي إعداد لوعد الآخرة وآخر الزمان.
وهكذا، وجد العالم نفسه في قلب حرب من نوع جديد، حرب تتضاءل فيها أهمية العوامل الإستراتيجية والجيوسياسية لصالح خطاب ديني مؤيد بالغيب والنبوءات، حرب لا تدور رحاها على الأرض فحسب، بل في بطون الكتب المقدسة وتأويلاتها، وفي قلوب المؤمنين بنصوصها الحرفية على جانبي الصراع.
لقد أصبح المشهد مفتوحا على مزيد من الأفول للواقعية السياسية، وعلى توسع في الحروب الدينية وعندها لا يمكن للعقلانية أن تجد لها مكاناً في صراع يرى فيه كل طرف أن السماء تقف في صفه، وأن خصمه ليس مجرد عدو سياسي، بل هو تجسيد للشر المطلق الذي يجب محوه من الوجود.