شبلي يكتب: تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط وأثرها على العراق

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

أوجدت الحرب الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط التي انطلقت شرارتها الأولى صباح يوم 28 شباط 2026، تداعيات كبيرة تعد في صلب أسباب اندلاعها وكان لها تأثيرها على العراق. وذلك بسبب التداخل الجغرافي والسياسي والاقتصادي العميق، لذا كان العراق أكثر الدول العربية تأثراً بأي تغيير في ميزان القوى بين إيران وأميركا/إسرائيل.

ومن أجل التعرف على تلك التداعيات وأثرها على العراق فإن المؤشرات أدناه والتي تستند إلى المعطيات الراهنة تظهر أن الحرب أدخلت المنطقة في نفق مظلم من الصراعات الوجودية .

  1. كيف سيبدو المشهد العراقي في حال هزيمة إيران؟

تراهن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على هذا هو السيناريو، وتشير معطيات الواقع إلى وجود فرصة لتقليص النفوذ الإيراني في العراق بعد الضعف الإيراني الذي ظهر مؤخراً .لكن "الهزيمة" قد تكون نسبية وتأخذ أشكالاً متعدد، لكنها تشكل فرصة ذهبية لاستعادة السيادة في العراق جراء ضعف إيران واحتمال سقوط نظامها، وإن هذا يمثل فرصة دراماتيكية لتغيير مسار العراق. وذلك لأنه من المفترض أن يتمكن السياسيون العراقيون من تقليص نفوذ إيران في بلدهم، وتعزيز العلاقات مع الغرب والدول العربية، وفرض سيادة الدولة على القرار السياسي والعسكري. وليس بخافياً أن المؤشرات على ذلك ظهرت منذ اندلاع الحرب عام 2025، حيث التزمت الميليشيات العراقية الحياد خوفاً من الضربات الأميركية .

في المقابل، فإن تراجع النفوذ الإيراني في العراق قد يؤدي إلى فراغ سياسي خطير أو ما يمكن وصفه بزلزال سياسي وطائفي فـشريحة من المجتمع الشيعي في العراق تنظر إلى إضعاف إيران كتهديد مباشر لها، الأمر الذي يؤدي إلى ردود فعل عنيفة من القوى الموالية لإيران، وإعادة إشعال الصراع على السلطة بين الكتل الشيعية المتناحرة، وهو ما قد يدفع البلاد نحو عدم استقرار كبير. وقد يؤدي أيضاً إلى تمدد النزعات الانفصالية، فهزيمة إيران قد لا تقتصر تداعياتها على العراق فقط، بل قد تمتد لتشجع الأقليات داخل إيران نفسها، مثل الأكراد والبلوش والعرب، على المطالبة بتقرير المصير. وهذا السيناريو يمثل حالة كارثية على استقرار المنطقة برمتها، وقد يكون له تأثير غير مباشر على المطالب الكردية في العراق.

كما أن تراجع الدور الإيراني، سيضع الميليشيات العراقية نفسها في موقف ضعف، مما يؤدي إلى انكشاف أمني قد يدفع بعضها إلى محاولة تأكيد وجودها أو الدخول في مواجهات مع القوات العراقية أو الأميركية. لكن تصرف الولايات المتحدة الأمريكية سيؤدي لضرب أي هجمات من الأراضي العراقية، بما يسمح بردع تلك الميليشيات .

  1. كيف سيكون الوضع إذا انتصرت إيران أو صمدت؟

السيناريو الآخر هو أن تتمكن إيران، التي بنت عقيدتها العسكرية على الصمود والاستنزاف وليس الانتصارات الحاسمة، من الصمود في وجه الهجوم، بما يسمح بتعزيز قبضة إيران على العراق. فانتصار إيران أو حتى صمودها سيعني بقاء النفوذ الإيراني في العراق بل وربما تعزيزه. وستستمر الميليشيات في عملها، وستبقى الأحزاب الموالية لإيران مسيطرة على مفاصل الدولة. لا سيما إن الحكومة العراقية تفتقر إلى القدرة على كبح جماح هذه الجماعات .

وبذات الوقت قد يتحول العراق إلى ساحة حرب مفتوحة في هذا السيناريو، يكون العراق هدفاً دائماً للضربات الأميركية والإسرائيلية. فالميليشيات قد تعاود نشاطها ضد القواعد الأميركية، مما يستدعي رداً عنيفاً. كما أن المجال الجوي العراقي سيبقى مسرحاً للعمليات، حيث تستخدمه إيران لضرب إسرائيل وبالمقابل تستخدمه إسرائيل وأميركا لضرب إيران، مما يعرض سيادة العراق للانتهاك يومياً .

  1. الأضرار المشتركة في كلتا الحالتين
    1. الاقتصاد على شفا الهاوية:  يعتمد العراق بشكل شبه كلي على عائدات النفط. ومع إغلاق مضيق هرمز، تراجعت صادرات العراق من النفط بنسبة وصلت إلى 70%، من 4.3 مليون برميل يومياً إلى حوالي 1.3 مليون برميل . وقد امتلأت خزانات التخزين، مما اضطر العراق لخفض الإنتاج وقد يصل إلى إغلاق شبه كامل للحقول الجنوبية .هذا يعني انهيار الإيرادات.

بغض النظر عن نتيجة الحرب، ثمة تداعيات سلبية كبرى ستلحق بالعراق في كل الأحوال، وقد بدأت ملامحها تظهر بالفعل في المجالات الآتية:

  1. الطاقة: إيران هي المورد الرئيسي للغاز والكهرباء للعراق، حيث تغطي حوالي 29% من احتياجات الكهرباء، وإناستمرار الحرب يعني انقطاع هذه الإمدادات، مما سيشل الحياة اليومية ويؤجج الغضب الشعبي، خاصة في فصل الصيف الحارق.
  2. التجارة: تبلغ التجارة الثنائية بين البلدين حوالي 12 مليار دولار سنوياً، وإن انهيار هذه التجارة سيرفع الأسعار ويسبب نقصاً في السلع الاستهلاكية.
  3. تعثر رواتب الموظفين: مع تراجع الإيرادات النفطية، قد تجد الحكومة العراقية نفسها غير قادرة على دفع رواتب الموظفين العموميين، البالغ عددهم حوالي 7 ملايين شخص، وهو ما قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة كما حدث في 2020 .

لذا فإن العراق سيقى يعيش أزمة سياسية  ترتبط بتشكيل الحكومة التي أصبح أمرها معطل، فعراق اليوم هو في خضم مفاوضات عملية تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وأن الحرب عطلت هذه المفاوضات وقد تؤدي إلى تأخير طويل، أو حتى تشكيل "حكومة طوارئ" تفتقر إلى الشرعية الكافية لإدارة البلاد في أصعب مراحلها .

لهذا فإن العراق اليوم أمام معادلة صعبة للغاية، حيث يدفع ثمن صراع ليس طرفاً فيه. ففي حال هزيمة إيران، قد يجد فرصة تاريخية لاستعادة سيادته، لكنه سيواجه في الوقت نفسه مخاطر تفكك داخلي وصراع سياسي حاد على السلطة في غياب المظلة الإيرانية. أما في حال صمود إيران أو انتصارها، فسيظل رهينة بيد طهران وساحة مفتوحة للحرب. أما في كلتا الحالتين، فإن الاقتصاد العراقي سيتكبد خسائر فادحة قد تؤدي إلى انهيار الخدمات وتفجر الاحتجاجات، مما يعيد للذاكرة أسوأ أيام الفوضى التي أعقبت 2003 .

يبقى الأمل الوحيد للعراق، كما نراه هو أن تتمكن النخب السياسية من تجاوز انقساماتها والعمل معاً لحماية المصالح العليا للبلاد . لكن التاريخ الحديث يعلمنا أن هذا السيناريو هو الأصعب على الإطلاق في بلاد الرافدين.

  1. تأثير الحرب على بنية النظام السياسي العراقي

يتعرض النظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية، لاهتزاز عنيف بفعل الضغوط الخارجية والداخلية الناجمة عن الحرب، حيث تفاقم الصراع على السلطة، وإذ تأتي الحرب في توقيت حساس للغاية، حيث يستعد العراق لإعلان التشكيلة الوزارية في أعقاب انتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ، فرئيس الوزراء محمد شياع السوداني يسعى لولاية ثانية ويقود ائتلافاً جديداً " تحالف البناء والتنمية". مما وضعه في مواجهة مع بعض حلفائه السابقين في "الإطار التنسيقي" الشيعي ، وهذا الانقسام داخل البيت الشيعي خلق حالة من الضبابية وعدم اليقين، بعد اعتراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لولاية جديدة، مما جعل تشكيل الحكومة المقبلة عملية معقدة للغاية في ظل استمرار الحرب الحالية في المنطقة.

ومن جهة ثانية ظهر انقسام الولاءات فالحكومة العراقية الرسمية، بقيادة السوداني، تحاول جاهدةً تبني خطاب وطني والحفاظ على الحياد. شدد بموجبه على أن "الدولة العراقية فقط هي من تملك سلطة قرار السلم والحرب. وفي المقابل، هناك تيارات عراقية قوية موالية لإيران، ممثلة بفصائل مسلحة في الحشد الشعبي، تشارك بنشاط في الصراع عبر استهداف القواعد الأمريكية والمصالح الإسرائيلية، بل ومحاولة الوصول إلى المنطقة الخضراء في بغداد. هذا الانقسام يجعل الحكومة تبدو عاجزة أحياناً عن فرض سيادتها على كامل القرار الوطني.

أما إقليم كردستان فهو يعيش في مأزق جراء تعرضه لضغط هائل. فمن ناحية، يستضيف أحزاب كردية إيرانية معالضة لديها مكاتب في أربيل، وهو ما دفع إيران لقصف تلك المواقع بالفعل . ومن ناحية أخرى، ترددت تقارير عن خطط أمريكية لدعم تحركات كردية إيرانية ضد إيران انطلاقاً من العراق . وهذا يضع حكومة إقليم كردستان بين فكي كماشة: إيران تهدد، وأميركا قد تضغط، والحكومة الاتحادية في بغداد (التي يهيمن عليها شيعة موالون لإيران) تراقب بقلق أي تحرك قد يعتبر دعماً لانفصاليين ضد دولة جارة .

يضاف إلى ما تقدم يأتي استهداف قادة الفصائب العسكرية الموالية لإيران عبر الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت قيادات ميدانية مهمة، مثل أبو حسن الفريجي، أحد قادة كتائب حزب الله في العراق. وهذا الاستهداف قد أضعف الفصائل المسلحة وأرهبها، لكنه في المقابل قد يدفعها إلى التصعيد أو يخلق فراغاً قيادياً يزيد من الفوضى.

  1. العلاقات الأمريكية مع قوى المعارضة العراقية في الخارج: ورقة ضغط أم سيف ذو حدين؟

تاريخياً، تؤدي المعارضة العراقية المتجمعة في الخارج دوراً محورياً في السياسة الأمريكية تجاه العراق. كونها تعود إلى الواجهة وبيدها ورقة ضغط لكن بشكل مختلف، وتبدو سماتها من خلال: 

  1. السوابق التاريخية: في التسعينيات وأوائل الألفية، دعمت واشنطن (بدرجات متفاوتة) فصائل معارضة مثل "المؤتمر الوطني العراقي" بزعامة أحمد الجلبي بهدف إسقاط نظام الرئيس صدام حسين .هذا التاريخ يذكر الجميع بأن العلاقة الأمريكية مع معارضين عراقيين يمكن أن تتحول من مجرد دعم سياسي إلى أداة لتغيير جيوستراتيجي كبير.
  2. الوضع الحالي: اليوم، وجود مؤشرات على دعم أمريكي واسع النطاق لتشكيل "حكومة عراقية بديلة في المنفى" على غرار ما حدث قبل 2003. لكن مؤجل حالياً، يقابله الضغط الأمريكي الذي يتخذ أشكالاً أخرى:

أولا:  الضغط عبر الملف الكردي: كما ذكرنا، فإن الأنباء عن دعم أمريكي محتمل للأكراد الإيرانيين في إقليم كردستان  هي بمثابة رسالة ضغط مباشرة على طهران وحلفائها في بغداد. هذا الملف يمكن أن يستخدم كورقة مساومة كبرى.

ثانيا: الضغط الاقتصادي والسياسي: الكونغرس الأمريكي لا يزال لديه أدوات ضغط، مثل مشاريع قوانين تهدف لفرض عقوبات على استيراد العراق للغاز من إيران، أو حتى المطالبة بتصنيف بعض الكيانات العراقية كمنظمات إرهابية .هذه التهديدات تستهدف بشكل غير مباشر القوى الموالية لإيران داخل النظام السياسي العراقي.

  1. تأثير دور المعارضة العراقية في الخارج على النظام السياسيفي الداخل: تعلم جيداً القوى العراقية الحاكمة (وخاصة الموالية لإيران) بوجود خيارات أمريكية في دعم معارضين، أو اللعب بورقة الأكراد، يخلق حالة من "الرعب المريع". أي تصعيد مفرط من قبل تلك القوى قد يُقابل بتفعيل أمريكي لبعض هذه الأوراق، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم التحالفات حيث قد تضطر بعض القوى العراقية إلى إعادة حساب مواقفها لتجنب دفع واشنطن نحو خيارات متطرفة.

فضلاً عن تفكيك وحدة الصف السياسي عبر التلويح بدعم قوى معارضة معينة، وهذا يمكن أن يعمق الانقسامات داخل البيت الشيعي نفسه، حيث يخشى كل فريق من أن يتم استبداله بآخر أكثر طواعية لأمريكا.

  1. سيناريوهات التأثير على النظام السياسي

بناءً على ما تقدم، يمكننا توقع مسارين رئيسيين:، هما

  1. صمود إيران (أو انتصارها النسبي): يرتبط بنفوذ طهران حيث يزداد نفوذ الفصائل الموالية لإيران داخل الحكومة العراقية، وتستمر في استهداف المصالح الأمريكية. كما أن الرد الأمريكي قد يسمح بلجوء  واشنطن إلى تفعيل "الخيارات البديلة" عبر دعم شخصيات معارضة مناوئة لطهران داخل العراق وخارجه، وزيادة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على بغداد. هذا يعني أن النظام السياسي سيظل ساحة صراع مفتوحة. فيما  سيبقى العراق هشاً وغير قادر على اتخاذ قرارات سيادية حقيقية.
  2. هزيمة إيران أو تراجعها الكبير: وهي فرصة تاريخية قد يجد السياسيون العراقيون فرصة لاستعادة السيادة وتقليص النفوذ الإيراني . وقد يؤدي التراجع الإيراني المفاجئ إلى فراغ سياسي خطير، خاصة بين القوى الشيعية التي قد تتصارع على ملء الفراغ. كما أن الميليشيات الموالية لإيران قد تتحول إلى مشكلة أمنية داخلية كبيرة إذا شعرت بالتهميش. 

أما دور المعارضة في هذا السيناريو، فقد تحاول واشنطن تسريع العملية السياسية عبر دفع شخصيات معارضة معينة (سواء من الداخل أو الخارج) إلى الواجهة، لتشكيل حكومة جديدة تكون أكثر انسجاماً مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للمنطقة.

في الختام، لا يسعنا إلا القول بأن النظام السياسي العراقي اليوم يواجه معركة وجودية. هو يحاول جاهداً ألا يتحول إلى ساحة حرب، لكنه في الوقت نفسه ممزق بين ولاءات متعارضة وضغوط خارجية غير مسبوقة. وأن العلاقات الأمريكية مع المعارضة العراقية هي بمثابة ورقة طوارئ في جعبة واشنطن، قد لا تستخدمها اليوم، لكن وجودها يغير من حسابات جميع اللاعبين في بغداد وأربيل.