الرواشدة يكتب: مسألة هرمز ليست تفصيلا من تفاصيل الحرب.

عماد الرواشدة

ترمب حذر امس الايرانيين من تلغيم هرمز وقال انه ان حدث فستشهد ايران عواقب "لم تشهدها من قبل". لكن سي ان ان قالت امس ان ايران بدات بالفعل بزرع مئات الالغام. تقول المصادر ان لدى ايران الاف الالغام التي يمكنها زرعها في المضيق، سيعني ذلك غلق كامل المضيق.

صحيح ان فتحه نظريا ممكن خلال شهور، لكن في حالات الصراع والحرب قد تاخذ العملية عاما او اكثر، والاهم هو ان المسالة ليست في فتحه ولكن في قناعة شركات التامين في انه امن. دول بأكلمها ستحاصر إقتصاديا مثل الكويت، العراق، قطر، غالبية الامارات.

تعتمد اوروبا بنسبة ٢٠٪؜ من وارداتها على الغاز القطري الذي لا يملك معبرا اخر غير هرمز. في اوروبا تتباين نسب الاعتماد عليه، وتصل في ايطاليا لنحو ٤٠٪؜. اما النفط فدول مثل الكويت والعراق واجزاء كبيرة من الإمارات ستصبح حبيسة هي الاخرى. حتى السعودية ستجد نفسها في موقف صعب للغاية بالنظر الى صغر حجم الطاقة الاستيعابية للانابيب التي لديها كبديل لهرمز.

اسيا، الصين تحديدا ستعيش ظروفا مربكة لاقصى الحدود باعتبار ان اكثر من ٣٠٪؜ من واردات الصين النفطية تاتي من هرمز.

اما واشنطن فلا تستفيد بشكل مباشر من المضيق، ربما في حدود ٢٪؜ من وارداتها تمر فيه، لكنها ستتاثر بشكل غير مباشر وجسيم طبعا بسبب ارتفاع الاسعار العالمي على بلد يستورد معظم احتياجاته وليس صناعيا اصلا، اذ تشكل الخدمات اكثر من ٧٠ ٪؜ من حجم الاقتصاد الاميركي.

على ان تلغيم المضيق سيخنق اول ما يخنق ايران التي تعتمد عليه بشكل شبه كلي لتصدير نفطها. لكن ان قررت اميركا تدمير ايران، او هي قررت كما لمح ترمب مصادرة نفط البلاد، فهذا سيضع طهران بين خيارين صفريين بكل الاحوال، الاستسلام آو تلغيم المضيق بشكل يشله تماما.

اليوم الوكالة الدولية للطاقة ضخت ٤٠٠ مليون برميل من احتياطيها. ما هو المعنى السياسي لذلك؟ معناه سيء. ال٤٠٠ مليون برميل مجرد سد لنقص اربع ايام في العرض العالمي. ومجرد اللجوء للاحتياطي يعني ان واشنطن لا تفكر حاليا بالاتفاق مع ايران وحل المشكلة، وتريد مواصلة الحرب فيما يحاول العالم تخفيف وطأة قرارها.

اغلاق هرمز يعني نقص العرض العالمي بواقع ٢٠ مليون برميل يومي. لكن كم الوقت بوسع الوكالة ان تغطي على هذا النقص؟ ليس كثيرا، حوالي ١٨ يوما ان سحبت كل يوم حاجات العالم لكل مخزونها الاستراتيجي. واذا اغلق المضيق بالالغام فتلك الثمانية عشر يوما لا قيمة لها امام وضع سيستمر لاشهر.

ان نجحت ايران في التلغيم، فشكل العالم سيتغير ربما للابد وسيتحول النفط لسلعة شبه كمالية. لا ننسى ان العالم لم يشهد انقطاعا بهذا المستوى للنفط، فنحن هنا نتحدث عن اغلبية انتاج منظمة اوبك، حوالي ٦٠٪؜. الامر لا يحل بالسحب من احتياطيات استراتيجية مهما بلغت.

هذه محاولة اميركية للتغطية على كلفة دولية باهظة جدا لحرب اختيار استباقية خارج اطار اي شرعية سواء محلية او دولية، ستدفع شعوب العالم كله ثمنها، بالمعنى الحرفي، فقط لان دولة واحدة ارادتها هي اسرائيل وفق مشرعين اميركيين، او كما يرى عضو الشيوخ كريس ميرفي.

نحن امام حرب تضع اساس الحضارة الانسانية بشكلها الحالي في خطر؛ فالنفط هو الذي يسير السفن التي تملأ ارفف المحال بموادنا التموينية، والحصادات التي تضع الخبز على موائدنا، هو المشغل لمحطات التحلية والتنقية التي تجعل الحياة "المدنية" ممكنة، والمسير للبوارج وطائرات الاف ١٥ التي تقصفها في كل مكان وتجعلها مستحيلة ايضا.