العايدي يكتب: السرديات (3): الدين وبناء السردية الوطنية- قراءة مقاصدية معاصرة
د.محمد صبحي العايدي
إن السردية الوطنية هي الإطار الرمزي والمعنوي الذي يعيد الذاكرة الجماعية للمجتمع، ويمنحها معنى يربط الماضي بالحاضر، ويوجه مسارها المستقبلي، وفي هذا السياق يؤدي الدين والمؤسسات الدينية دوراً مركزياً لا يمكن تجاوزه، لأنه يوفر العمق الرمزي والأخلاقي والقيمي للقصة الكبرى، التي يحتاجها أي مجتمع لبناء تماسكه الداخلي.
الدين يمتلك قدرة فريدة على ترسيخ الشرعية الرمزية للسردية الوطنية، فهو يربط القيم السياسية والاجتماعية بمنظومة عليا في سياقه الأخلاقي والحضاري، متجاوزاً المصالح الآنية، ومن خلال هذا الارتباط يمكن للدين أن يسهم في بناء هوية وطنية متماسكة، بحيث يصبح مصدراً رئيساً في تشكيل عناصر السردية الثلاث وهي: الشرعية، والهوية، والتعبئة، لدعم الانتماء الوطني، وتوجه المشاركة الاجتماعية والسياسية، ضمن سياق يحافظ على الوحدة ويعزز التماسك الاجتماعي.
إن استحضار الدين في السردية الوطنية لا يجوز أن يتم عبر قراءة ضيقة أو أيديولوجية، بل عبر مراعاة المقاصد الكلية للشريعة، التي تمنح السردية الوطنية بعداً أخلاقياً جامعاً، وتمنع تحويل الدين إلى أداة للصراع السياسي أو التنافس على الشرعية.
وعندما يتم استحضار الدين في هذا الإطار المقاصدي، فإنه يصبح رافعة للسردية الوطنية لا عاملاً في تقويضها، ويغدو جزءاً من منظومة القيم التي تعزز التماسك الاجتماعي وتدعم المصلحة العامة.
غير أن أخطر ما يواجه السردية الوطنية هو ظهور روايات دينية موازية، تقدم وكأنها البديل الشرعي للسردية الوطنية، وتضع نفسها في مقابلها، وهنا تبرز ضرورة تفكيك الروايات الموازية، لا بإقصاء الدين عن المجال العام، بل بإعادة إدماجه في موقعه الطبيعي، بوصفه جزءاً أصيلاً من السردية الوطنية، ومصدراً من مصادر قوتها.
إن تسييس الرواية الدينية على نحو يصادم السردية الوطنية ليس دفاعا عن الهوية الدينية، بقدر ما يمثل في كثير من الأحيان قفزا على الدولة الوطنية، ومحاولة تفكيكها من الداخل عبر خلق ولاءات سردية بديلة، والحقيقة أن السردية الوطنية في مفهومها الواسع ليست نقيضاً للهوية الدينية، ولا إلغاء لها، بل الإطار الي يحتضنها ويمنحها حضورها التاريخي والاجتماعي، فضعف القدرة على دمج البعد الديني ضمن مشروع حضاري جامع، لا يعود إلى التعارض بين مفهوم الدين والدولة الوطنية، بل إلى عجز الفكر العربي الإسلامي المعاصر من استلهام المقاصد الكبرى للدين، وتحويلها إلى مشروع نهضوي قادر على توجيه المجال العام.
وفي المقابل جرى في كثير من الأحيان اختزال حضور الدين في السردية السياسية بين طرفين: حركات الإسلام السياسي، التي تقدمه بوصفه مشروعاً سياسياً بديلاً للدولة الوطنية، وبعض النظم التقليدية، التي لم تستطع أن تقدمه كإطار حضاري جامع، ونتيجة لهذا الاستقطاب تحول الدين إلى عنصر نزاع داخلي، بدلاً من أن يكون رافعة قيمية لوحدة المجتمع والأمة في مواجهة التحديات، والمشاريع الإقليمية المتنافسة، وهنا نستطيع أن نقول أننا أمام غياب كبير للاجتهاد السياسي المتجدد، القادر على إعادة قراءة التراث الديني والفكري ضمن أطر الدولة الوطنية، حيث أدى ذلك إلى ترك الساحة فارغة أمام السرديات الأخرى لتملأ الفراغ، وتفرض تفسيرها للأحداث والوقائع.
ومن هنا فإن مشاركة المؤسسات الدينية في بناء السردية الوطنية أمر في غاية الأهمية، من أجل تشكيل الوعي العام وترسيخ القيم المشتركة، فهذه المؤسسات تلعب دوراً محورياً في نقل السردية الوطنية إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز فهم متوازن للتاريخ والهوية، وفي المسار الديني عندنا في الأردن هناك خصوصية الارتباط الهاشمي بين البعد الديني والبعد السياسي، حيث يمثل الهاشميون امتداداً تاريخياً يجمع بين الشرعية الدينية والدور السياسي في بناء الدولة، مما يجعل الارتباط أحد أهم أعمدة الرمزية للسردية الوطنية الأردنية.
ختاماً.. لا تقتصر وظيفة المؤسسات الدينية على الإرشاد التعبدي أو الوعظ الأخلاقي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء الوعي الجمعي، وتحديد المعاني الرمزية التي تتشكل حولها هوية الأمة، بحكم الحضور العميق للدين في وجدان المجتمعات، من خلال الخطاب الديني، والمناهج الدعوية، وإعداد دعاة مؤهلين لحمل هذه السردية، غير أن هذا الدور يبقى مرهوناً بقدرة المؤسسة الدينية على تحقيق التوازن الدقيق بين رسالتها الدينية الكونية، وبين متطلبات السياق الوطني، مما يمنع انحراف التيارات السياسية أو الدينية نحو إنشاء سرديات موازية، تؤدي إلى الانقسام والتشتيت بين أبناء الوطن.