القس سامر عازر يكتب: الحاجة إلى قيادات دينية ودنيوية تسير في طريق الخير العام

القس سامر عازر 

كثيرًا ما يندفع الإنسان في لحظة حماسة أو رغبة عميقة فيقول كلمات كبيرة لا يدرك تمامًا عواقبها. نَعِدُ بالسير في طريقٍ ما، ونظن أن الطريق سيكون كما نتصوره في مخيلتنا، لكن الواقع كثيرًا ما يكون مختلفًا. فالحياة لا تُبنى على الأمنيات وحدها، بل على إدراك واعٍ لما يترتب على اختياراتنا من مسؤوليات وتضحيات.

إن اختيار نهج في الحياة ليس أمرًا عابرًا، بل هو قرار مصيري يحدد اتجاه الإنسان وقيمه ودوره في العالم. فهناك من يختار طريق القوة والصراع، وهناك من يختار طريق بناء السلام والحوار والخيار الدبلوماسي. غير أن أي نهج نختاره يحتاج إلى التزام كامل بالسير فيه، وإلى استعداد لتحمل تكلفته، وكلفة السير في طريق الحق والعدل قد تكون مرتفعة ومحفوفة بالمخاطر، ولا سيما في عالمٍ باتت فيه لغة القوة والحروب تطغى على لغة العقل والإنسانية، وتُهمَّش فيه أحيانًا حقوق الإنسان في العيش بحرية وكرامة.

هذه الحقيقة ليست جديدة على مسيرة البشرية، بل نجد صداها حتى في صفحات الإنجيل المقدّس. ففي إنجيل لوقا (9: 57-62) يروي لنا النص قصة شخص قال للمسيح: «أتبعك أينما تمضي». تبدو العبارة جميلة ومليئة بالحماس، لكنها كانت، في عمقها، تعبيرًا عن رغبة لم تُدرك بعد معنى الطريق التي أرادت أن تسلكها. فربما ظنّ صاحبها أن القرب من المسيح قد يجلب مكانة أو نفوذًا أو مكسبًا ما، كما هي حال كثيرين عبر التاريخ الذين اقتربوا من أصحاب القوة أو الشهرة لتحقيق مصالحهم الخاصة.

لكن طريق المسيح لم تكن يومًا طريق مكاسب أو امتيازات. إنها طريق مختلفة تمامًا عمّا يتصوره العقل البشري الباحث عن النجاح السريع أو النفوذ الظاهري. طريق المسيح هي طريق الخدمة لأجل الخدمة، دون انتظار مقابل.. 
هي طريق الشعور العميق بآلام الناس وأوجاعهم، والوقوف إلى جانب المظلومين والمهمشين.. 
هي طريق السعي لرفع الظلم ومساندة الإنسان لكي ينهض بحياته نحو كرامة إنسانية حقيقية وعدالة أوسع ومساواة أعمق.. 
إنها أيضًا طريق الشوك والتضحية والألم، لكنها في الوقت ذاته طريق المجد الحقيقي.

فالمجد في المفهوم المسيحي لا يولد من الهيمنة، بل من العطاء؛ ولا من السيطرة، بل من المحبة التي تبذل ذاتها. لذلك فإن طريق المسيح تقود الإنسان إلى آفاق أوسع من ذاته، نحو قيم السماء وتعاليمها، حيث يصبح الإنسان خادمًا للحياة، وشاهدًا للرجاء، ورسولًا للسلام.

لهذا قال المسيح أيضًا في النص نفسه: «ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله». إنها صورة عميقة من واقع الحياة الزراعية: فالفلاح الذي يحرث الأرض إذا التفت إلى الوراء اعوجَّ الخط وفُسدت الأرضية التي تُعد للزرع.

كذلك هي الحياة الروحية والإنسانية؛ من يختار طريق الحق والخدمة عليه أن يسير فيها بثبات، دون تردد أو تراجع، لأن الالتفات المستمر إلى الوراء يفقد الإنسان وضوح رؤيته ويشتت عزيمته.

إن السير في طريق المسيح يعني إخلاء النفس من الأنانية، ونكران الذات، والتسلح بقوة الكلمة وسلاح الحق. إنه دعوة لمواجهة الظلم أينما وُجد، والتعاطف مع المظلومين، والعمل من أجل تخفيف معاناة الناس وآلامهم، وخلق بريق أمل ورجاء في حياة كثيرين أنهكتهم صراعات هذا العالم.


وهذا ما يحتاجه عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى: قيادات دينية ودنيوية تسير في طريق الخير العام، لا في طريق المصالح الضيقة؛ قيادات ترى في السلطة مسؤولية لا امتيازًا، وفي الخدمة رسالة لا وسيلة للنفوذ. فالمسؤولية كبيرة على عاتق القيادات أيًا كان موقعها، وهي مدعوة إما إلى الارتقاء إلى مستوى هذه المسؤولية، أو إفساح المجال لمن هم أكثر كفاءة وجرأة وإيمانًا وخدمة.

إن قول «أتبعك أينما تمضي» ليس مجرد عبارة تقال بحماسة، بل عهد يتطلب وعيًا عميقًا بالتبعات. فمن يضع يده على محراث الخدمة والحق مدعو أن يتقدم إلى الأمام، يهيئ الأرض، ويحرثها بإخلاص، لتستقبل زرع الحياة الأفضل؛ حياةٍ تنمو فيها قيم العدل والرحمة والسلام، وتثمر رجاءً جديدًا للإنسانية.