الفرجات يكتب: مقترح لخطة طوارئ طاقية للأردن في حال استمرار انقطاع الغاز: كيف نحمي المياه والقطاعات الحيوية؟

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

في عالم مضطرب جيوسياسياً، لم يعد أمن الطاقة مسألة اقتصادية فحسب، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الوطني والمائي والغذائي.

ومع احتمالية انقطاع إمدادات الغاز الإقليمي نتيجة الحروب أو الأزمات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للأردن إدارة الطاقة في حالة الطوارئ دون المساس بالقطاعات الحيوية؟

الجواب الواقعي لا يكمن في محاولة تشغيل الاقتصاد كله بالطاقة المتاحة، بل في إدارة ذكية للطاقة وفق الأولويات، تضمن استمرار الخدمات الأساسية وعلى رأسها مياه الشرب والزراعة والصحة والاتصالات.

أولاً: فهم الواقع الطاقي للكهرباء في الأردن
يعتمد توليد الكهرباء في الأردن بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي، الذي يشكل النسبة الأكبر من وقود محطات التوليد. وتحتاج هذه المحطات يومياً إلى كميات كبيرة من الغاز لتأمين إنتاج الكهرباء الذي يغذي المنازل والقطاعات الاقتصادية.

أما الإنتاج المحلي من الغاز فيأتي أساساً من حقل الريشة في شرق المملكة، وهو حقل مهم استراتيجياً، لكنه ما يزال محدود الإنتاج مقارنة بالحاجة الوطنية. لذلك فإن الاعتماد على الغاز المحلي وحده لا يكفي لتشغيل منظومة الكهرباء بكامل طاقتها.

هذا الواقع يعني أن أي انقطاع طويل للغاز المستورد يفرض على الأردن إدارة منظومة الكهرباء بطريقة مختلفة مؤقتاً، تقوم على مبدأ الأولويات.

ثانياً: تحويل إدارة الكهرباء إلى “اقتصاد الأولويات”
في حالات الطوارئ الطاقية، يجب أن يكون المبدأ واضحاً:
ليست كل القطاعات متساوية في الأهمية.

الأولوية الوطنية للكهرباء يجب أن تُمنح لـ:
ضخ مياه الشرب من الآبار والخزانات
ضخ مياه الري للمناطق الزراعية الحيوية
المستشفيات والمراكز الصحية
شبكات الاتصالات والإنترنت
المخابز وسلاسل الغذاء
محطات الصرف الصحي
الخدمات الأمنية والدفاعية

في المقابل، يمكن خفض الاستهلاك مؤقتاً في قطاعات أقل حساسية مثل:
الصناعات الثقيلة كثيفة الطاقة
الإعلانات الضوئية
الإنارة غير الضرورية
بعض الأنشطة التجارية غير الأساسية

هذه السياسة لا تعني إيقاف الاقتصاد، بل إدارته بحكمة حتى تمر الأزمة.

ثالثاً: حماية قطاع المياه أولاً
المياه هي القطاع الأكثر حساسية في الأردن، لأن كل قطرة تصل للمواطن تمر غالباً عبر مضخات كهربائية من الآبار العميقة.

ولهذا يجب أن تكون محطات المياه أولوية مطلقة في الطاقة.

يمكن تحقيق ذلك عبر عدة إجراءات عملية:
1. تخصيص تغذية كهربائية مستقلة لمحطات المياه
يتم إعطاء محطات الضخ والآبار والخزانات الرئيسية أولوية في التغذية الكهربائية حتى أثناء التقنين.

2. نشر أنظمة الضخ بالطاقة الشمسية
الأردن من أكثر الدول سطوعاً للشمس في العالم، ويمكن استغلال ذلك عبر تركيب أنظمة طاقة شمسية لتشغيل مضخات الآبار.

هذه الأنظمة قادرة على تشغيل الضخ عدة ساعات يومياً دون الاعتماد على الشبكة الكهربائية، وهو حل أثبت نجاحه في كثير من الدول الجافة.

3. تشغيل الضخ في ساعات انخفاض الطلب
يمكن تشغيل العديد من آبار المياه ليلاً، عندما يكون الطلب على الكهرباء منخفضاً، مما يسمح بملء الخزانات الاستراتيجية استعداداً لفترات الذروة.

رابعاً: تشغيل محطات الكهرباء بوقود بديل
في حال نقص الغاز، يمكن تشغيل بعض محطات الكهرباء بوقود بديل مثل:
الديزل
الوقود الثقيل
الصخر الزيتي

ويمتلك الأردن بالفعل محطة كهرباء تعمل على الصخر الزيتي المحلي، وهو مصدر مهم لأنه لا يعتمد على الاستيراد الخارجي.

استخدام هذه البدائل قد يكون أكثر كلفة، لكنه يوفر استمرارية الخدمة في الظروف الطارئة.

خامساً: تعظيم الاستفادة من الطاقة الشمسية
خلال السنوات الأخيرة توسعت مشاريع الطاقة الشمسية في الأردن بشكل كبير، وأصبحت تشكل جزءاً مهماً من إنتاج الكهرباء.

في حالة الطوارئ يمكن تعظيم الاستفادة منها عبر:
تشغيل الأنشطة كثيفة الكهرباء نهاراً
تشغيل مضخات المياه خلال ساعات الذروة الشمسية
تخفيف الضغط على الشبكة في المساء

هذه الإدارة الذكية للطاقة المتجددة تساعد على تخفيف أثر نقص الوقود التقليدي.

سادساً: برنامج تقنين كهربائي مدروس
في حال استمرار الأزمة قد يصبح التقنين أمراً لا مفر منه، لكنه يجب أن يكون مدروساً وعادلاً.

يمكن تطبيق برامج تقنين محدودة في القطاعات غير الحيوية، مع استثناء القطاعات التالية:
المياه
المستشفيات
الاتصالات
الأمن

وبذلك يتم تقليل الضغط على الشبكة دون المساس بالخدمات الأساسية.

سابعاً: دعم القطاعات الحساسة بمولدات احتياطية
ينبغي أن تمتلك القطاعات الحيوية مثل:
المستشفيات
آبار المياه
محطات الضخ
المخابز الكبرى

مولدات كهرباء احتياطية تعمل بالديزل مع مخزون وقود يكفي لأسابيع، لضمان استمرار العمل في أي ظرف طارئ.

ثامناً: إدارة الطلب على الكهرباء والمياه
في الأزمات، يصبح ترشيد الاستهلاك جزءاً من الحل الوطني.
يمكن تحقيق وفورات مهمة عبر إجراءات بسيطة مثل:
تقليل الإنارة غير الضرورية
تخفيض استهلاك التكييف في المباني الحكومية
إطفاء الإعلانات الضوئية
تقليل الفاقد في شبكات المياه

هذه الإجراءات قد تخفض الطلب على الكهرباء بنسبة ملحوظة دون تأثير كبير على الحياة اليومية.

تاسعاً: إنشاء غرفة عمليات وطنية للطاقة
إدارة أزمة طاقية تتطلب تنسيقاً يومياً بين عدة جهات مثل:
وزارة الطاقة
سلطة المياه
شركات الكهرباء
الجهات الأمنية
الدفاع المدني

وجود غرفة عمليات مشتركة يسمح بإدارة الشبكة ساعة بساعة حسب الحاجة والأولويات.

الأزمات الطاقية ليست جديدة في تاريخ الأردن، وقد أثبتت التجربة أن المملكة قادرة على التكيف عندما تتوفر الإدارة الحكيمة والتخطيط المسبق.

وفي حال انقطاع الغاز لفترة طويلة، يمكن الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية عبر:
إعطاء الأولوية للمياه والصحة والغذاء
تشغيل محطات الكهرباء بوقود بديل
تعظيم الاستفادة من الطاقة الشمسية
تطبيق تقنين ذكي ومدروس
دعم القطاعات الحيوية بأنظمة طاقة احتياطية

وبهذه المقاربة الواقعية يمكن للأردن تجاوز أي أزمة طاقة دون المساس بالأمن المائي والخدمات الأساسية للمواطنين، إلى أن تستقر الأوضاع الإقليمية وتعود الإمدادات الطبيعية للطاقة.