خيرالله يكتب: انقلابا "الحرس" في إيران… ولبنان
خيرالله خيرالله
انقلاب "الحرس الثوري" في إيران كشف حقيقة السلطة حيث لم يعد للرئيس دور فعلي بل صار مجرد واجهة لقرارات تُصاغ خلف الكواليس العسكرية.
لم تعد طهران تتكلم بلسان واحد. يبدو أن الحرب تركت تأثيرها على تركيبة السلطة في إيران ودفعتها إلى متابعة الاستمرار في ممارسة لعبة المزايدات والتصعيد مع دول الجوار بما يؤكّد أنّه لم يعد في “الجمهوريّة الإسلاميّة” مكان لأي نوع من التعقل. انتصر جناح المزايدين، خصوصا مع الإصرار الإيراني على فتح جبهة جنوب لبنان من دون أخذ في الاعتبار لما يمكن أن تفعله إسرائيل بالبلد عموما وأبناء الطائفة الشيعية في الجنوب والضاحية والبقاع تحديدا…
ما حدث، باختصار شديد، كان انقلابا في إيران نفذْه “الحرس الثوري”. استتبع ذلك انقلابا في لبنان بقيادة “الحرس” أيضا.
قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان “اعتذارا” من الدول المجاورة، بمن في ذلك دول الخليج العربي، مؤكدا أنّها لم تكن مستهدفة من “الجمهوريّة الإسلاميّة”، بل المستهدف قواعد أميركيّة وأخرى غير أميركيّة في هذه الدول. لم تمض ساعات على الكلام المطمئن لبزشكيان حتّى استهدفت صواريخ ومسيرات إيرانية أهدافا في دول عدة. من بين هذه الدول الإمارات والمملكة العربيّة السعوديّة والبحرين وقطر والكويت.
كلّ ما في الأمر أنّ بزشكيان الذي يشغل موقع رئيس الجمهورية، كما أنه عضو في اللجنة الثلاثية التي تدير البلاد في انتظار اختيار “مرشد” جديد خلفا لعلي خامنئي، لا يمتلك القرار. بل تحدّث في شأن لا يعنيه.
بغض النظر عن اختيار خليفة لخامنئي بشخص نجله مجتبى، من يمتلك القرار في “الجمهوريّة الإسلاميّة” هم قادة “الحرس الثوري” الذين زاد نفوذهم في مرحلة كان فيها علي خامنئي صاحب القرار الأوّل والأخير في البلد منذ العام 1989. في غياب خامنئي يعبّر عن رأي قادة “الحرس الثوري”، الذين تمكنوا من السيطرة على مفاصل السلطة وعلى الاقتصاد، أشخاص مثل علي لاريجاني رئيس مجلس الأمن القومي. صعد نجم لاريجاني في الأشهر القليلة الماضية بعدما كان منع في مرحلة سابقة من الترشّح إلى موقع رئيس الجمهوريّة.
الأهمّ من ذلك كلّه أن ظهور بزشكيان في مظهر الرئيس الصوري يعني أن انقلابا حصل في إيران منذ بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية أواخر شهر شباط – فبراير الماضي. ترافق ذلك مع انقلاب حصل في لبنان حيث صار واضحا أنّ “حزب الله”، بقيادته الحالية ليس سوى واجهة لـ”الحرس الثوري” الإيراني الذي وضع يده على الحزب بشكل كامل. هذا لا يعني أنّ الحزب كان في الماضي مستقلا تماما عن “الحرس الثوري”. كان الحزب، ولا يزال، مجرّد لواء في “الحرس”، لكنّ العلاقة التي ربطت الأمين العام الراحل حسن نصرالله بالقيادة الإيرانية، بمن في ذلك “المرشد”، وفرت له وللحزب هامشا للمناورة وإن بحدود ضيقة.
يؤكد أنّه كان للانقلاب الداخلي الإيراني انعكاساته على لبنان قرار الحزب اطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية في اتجاه إسرائيل، على الرغم من علمه المسبق بالنتائج الكارثية التي ستترتب على ذلك.
كشف الانقلاب الإيراني حقيقة “الجمهوريّة الإسلاميّة”. لم تعد توجد أوهام من أي نوع. لم يتغيّر شيء في إيران منذ اليوم الأوّل لقيام “الجمهوريّة الإسلاميّة”. لا يزال الشعار المعمول به هو شعار “تصدير الثورة”. كان كلّ ما قامت به طهران في السنوات الماضية سعيا إلى التظاهر بالرغبة في تحسين العلاقات مع الجيران العرب لا أكثر. لم يكن من هدف لذلك غير التغطية على الرغبة الحقيقية في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. تدلّ على ذلك أحداث معيّنة من بينها ما حصل في البحرين حيث استثمرت إيران، إبان سنوات “الربيع العربي” في تعميق الشرخ المذهبي في المملكة. تطلب الأمر تدخلا سعوديا وإماراتيا من أجل منع سقوط البحرين ضحية للأطماع الإيرانيّة.
ظهرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” على حقيقتها. تبيّن أن كمية الحقد على النجاح الذي حققته دول الخليج العربي لا حدود لها. لم يقتصر الأمر على دولة مثل الإمارات العربيّة المتحدة آمنت بثقافة الحياة وعلى منشآت مدنية في أبوظبي ودبيّ تحديدا. لم توفر إيران دولا حاولت مساعدتها في الماضي القريب، بل
سعت إلى تعويمها. هذا ما فعلته مع قطر، كذلك مع دولة مثل سلطنة عُمان التي لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران.
كلما مرّ الوقت سيزداد الوضع الداخلي الإيراني صعوبة. لم تدرك طهران منذ اللحظة الأولى أنّها تفاوض واشنطن إدارة دونالد ترامب من موقع المهزوم من جهة وأنّ الأوراق التي كانت تمتلكها لم تعد موجودة، من جهة أخرى. باتت أوراقا لا فائدة تذكر منها. ما لا يمكن تجاهله في أي لحظة أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة التي اندلعت في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى” في السابع من تنشرين الأول – أكتوبر 2023. خسرت إيران “حزب الله” الذي انهته إسرائيل بعدما اغتالت حسن نصرالله ثم خليفته هاشم صفيّ الدين. كذلك، استطاعت تصفية معظم القيادات المهمّة في الحزب والمئات من عناصره.
يبقى أنّ أهم ما خسرته إيران يتمثل في خروجها من سوريا التي باتت منذ أواخر العام 2024 في مكان آخر بعدما فرّ بشّار الأسد إلى موسكو. خسرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” نفوذها حتّى في العراق، حيث لم يعد في استطاعة طهران اختيار رئيس الوزراء كما كانت تفعل في الماضي. كان كافيا اعتراض ترامب على تولي نوري المالكي موقع رئيس الوزراء كي يخرج المالكي من لائحة المرشحين لخلافة محمّد شياع السوداني…
يقضي الانقلاب الإيراني على أي أمل بوقف الحرب الإيرانيّة. الواقع أنّه يقضي على أي محاولة يقوم بها جناح في السلطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إيران، بقيادة “الحرس” ذاهبة إلى كارثة وقد أخذت لبنان وشعبه وشيعته… في طريقها.