الدعجه يكتب: تفكيك وتحليل بيان سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عمّان: بين خطاب الطمأنة ووقائع الدرونز والصواريخ
الكاتب والمحلل الامني د. بشير الدعجه.
في خضم التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، أصدرت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عمّان بياناً موجهاً إلى الأردنيين تؤكد فيه أن الأردن لم يكن في أي وقت من الأوقات ضمن أهداف إيران... وأن الإجراءات العسكرية الإيرانية جاءت في إطار الدفاع المشروع فقط... غير أن القراءة الأمنية الاستراتيجية لهذا البيان تكشف فجوة واضحة بين اللغة الدبلوماسية المستخدمة فيه وبين الوقائع الميدانية التي شهدتها المنطقة، خصوصاً تلك التي طالت المجالين الأمني والعسكري للأردن خلال السنوات الماضية.
أول ما يلفت الانتباه في البيان هو محاولته تقديم رواية تطمينية للرأي العام الأردني... مفادها أن الأردن دولة صديقة وشقيقة ولا يشكل هدفاً في أي حسابات عسكرية إيرانية... لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بجملة من الوقائع الأمنية التي لا يمكن تجاهلها... فالأردن خلال السنوات الأخيرة لم يكن بعيداً عن تداعيات السياسات الإقليمية الإيرانية... سواء من خلال استخدام الأجواء في مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة... أو عبر الأذرع العسكرية المنتشرة في الجوار الإقليمي.
الواقع الميداني يشير بوضوح إلى أن الأجواء الأردنية أصبحت خلال موجات التصعيد الأخيرة جزءاً من المسارات الجوية للصواريخ والطائرات المسيّرة المتبادلة في المواجهة الإقليمية... وقد سجلت مناطق الشمال ومحافظة المفرق مرور عدد من هذه المقذوفات فوق المجال الجوي الأردني قبل وصولها إلى أهدافها... كما سقطت بعض الشظايا والمقذوفات في محيط قاعدة موفق السلطي الجوية، وهي واحدة من أهم القواعد الجوية في منظومة الدفاع الجوي الأردني... ما يعني عملياً أن الأردن أصبح ضمن نطاق التأثير المباشر لهذه العمليات العسكرية حتى وإن لم يكن الهدف المقصود.
من الناحية العسكرية البحتة، فإن الصواريخ الباليستية متوسطة المدى التي تمتلكها إيران يتراوح مداها بين ألف وألفي كيلومتر تقريباً... وتتحرك وفق مسارات جوية محسوبة بدقة عبر أنظمة التوجيه والملاحة... وهذا يعني أن أي صاروخ يمر فوق دولة معينة لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة جغرافية... بل نتيجة حسابات عملياتية محددة... الأمر الذي يضع الأردن تلقائياً ضمن دائرة المخاطر العملياتية المرتبطة بتلك المسارات.
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه القضية لا يتعلق فقط بالصواريخ أو المجال الجوي... بل بالدور الذي لعبته أذرع إيران الإقليمية خلال السنوات الماضية في تهديد الأمن الحدودي الأردني... فخلال سنوات الحرب السورية، وخصوصاً في ظل حكم نظام الأسد، انتشرت مجموعات مسلحة مدعومة من إيران في الجنوب السوري بمحاذاة الحدود الأردنية... وقد تحولت تلك المناطق تدريجياً إلى منصات لنشاطات غير مشروعة شملت تهريب الأسلحة والمخدرات.
في هذا السياق تحديداً، برز دور شبكات تهريب مرتبطة بميليشيات مدعومة من إيران، بعضها على صلة مباشرة بعناصر من حزب الله اللبناني... حيث تحولت تجارة المخدرات، خصوصاً حبوب الكبتاغون، إلى أحد أخطر التحديات الأمنية التي واجهها الأردن خلال العقد الأخير... وتشير البيانات الرسمية إلى ضبط مئات الملايين من الحبوب المخدرة وآلاف الكيلوغرامات من المواد المخدرة القادمة من الأراضي السورية... في عمليات أمنية متكررة نفذتها قوات حرس الحدود الأردنية.
ولم يقتصر الأمر على التهريب فقط... بل شهدت الحدود الشمالية للمملكة خلال السنوات الماضية اشتباكات مسلحة متكررة بين قوات حرس الحدود الأردنية ومجموعات تهريب مدعومة بأسلحة متوسطة وثقيلة... وهو ما دفع الأردن في أكثر من مناسبة إلى تنفيذ عمليات عسكرية استباقية داخل العمق الحدودي السوري لمنع تسلل تلك المجموعات.
هذه المعطيات مجتمعة تضعف كثيراً من صدقية الرواية التي يقدمها البيان الإيراني... فالدول في علم الأمن القومي تُقيَّم أفعالها الاستراتيجية من خلال سلوكها الميداني وليس من خلال البيانات السياسية... وعندما ترتبط أذرع إقليمية مدعومة من دولة ما بعمليات تهريب المخدرات والهجمات الحدودية واستخدام المسارات الجوية فوق دولة أخرى... فإن الحديث عن عدم استهداف تلك الدولة يصبح موضع تساؤل مشروع.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن تبرير العمليات العسكرية تحت عنوان "الدفاع المشروع" يبقى مقيداً بضوابط واضحة... فميثاق الأمم المتحدة يقر حق الدفاع عن النفس لكنه يشترط أن يكون الرد متناسباً ومحصوراً في مصدر التهديد المباشر... وألا يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية إلى أراضي أو أجواء دول أخرى غير مشاركة في النزاع... وهو ما يجعل استخدام المجال الجوي لدولة ثالثة أو تعريض منشآتها الحيوية للخطر مسألة إشكالية من الناحية القانونية والسيادية.
ومن منظور تحليل الخطاب السياسي، يمكن ملاحظة أن البيان الإيراني اعتمد على ثلاثة محاور رئيسية... أولها محاولة تهدئة الرأي العام الأردني وإزالة المخاوف الناتجة عن التطورات العسكرية الأخيرة... وثانيها تحميل المسؤولية الكاملة للولايات المتحدة وإسرائيل في إشعال التصعيد... وثالثها توجيه رسالة إلى دول المنطقة مفادها أن إيران لا ترغب في توسيع دائرة الصراع.
لكن هذه الرسائل، مهما كانت صياغتها دبلوماسية، تبقى غير كافية لإقناع الرأي العام عندما تتعارض مع الوقائع الميدانية... فالأردن بحكم موقعه الجغرافي يقع على تقاطع جيوسياسي حساس بين عدة بؤر صراع... ولذلك فإن أي نشاط عسكري أو أمني في محيطه المباشر ينعكس تلقائياً على أمنه الوطني.
خلاصة القول... أن بيان السفارة الإيرانية يمثل محاولة واضحة لإدارة الانطباع العام وتخفيف التوتر في العلاقة مع الأردن... لكنه لا ينجح في معالجة الأسئلة الجوهرية التي تفرضها الوقائع على الأرض... فالأردن دولة ذات سيادة كاملة... وأمنه القومي لا يمكن أن يقوم على تطمينات دبلوماسية فقط... بل على احترام فعلي لحدوده وأجوائه ووقف الأنشطة التي تهدد استقراره عبر الأذرع الإقليمية أو المسارات العسكرية.
وفي النهاية... تبقى القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية واضحة... فالمصداقية لا تُبنى بالكلمات... بل بالأفعال... وما دامت الوقائع الأمنية والعسكرية تشير إلى عكس ما يقوله البيان... فإن القراءة الواقعية للمشهد ستظل أقرب إلى ما يحدث في الميدان منها إلى ما يُكتب في البيانات الرسمية.