ملكاوي يكتب: انهيار النظام الإيراني.. ما الاحتمالات؟

 

 

موفق ملكاوي


منذ اللحظة الأولى لبدء الحرب الأميركية الصهيونية على إيران، انشغلت كثير من منظومات الإعلام العربية والعالمية بمناقشة احتمالات انهيار النظام الإيراني تحت وقع تلك الضربات الجوية. من ناحية عملية، كم يبدو الحديث واقعيا في هذا السياق؟
 

في منطق الحروب في العالم، أو تلك التي شهدتها المنطقة، لم تحسم الضربات الجوية وحدها مصير الأنظمة، مهما بلغت شدتها وضراوتها، خصوصا حين تستهدف نظاما سياسيا متجذرا، ما لم تترافق مع تفكك داخلي في بنية الحكم والأمن، وحركة شعبية واسعة تسهم بخلخلة النظام.
رأينا صعوبة الأمر مع العراق في 1991، والذي احتاج إلى 12 عاما أخرى من الحصار الخانق وحرب ثانية أدت لاحتلال البلد بأكمله. ثم رأيناه في صربيا العام 1999، والتي صمدت إلى حين حدوث تصدع سياسي داخلي. وليبيا في 2011 كذلك، فسقوط نظام العقيد القذافي احتاج لانخراط شعبي واسع في احتجاج يرافق القصف.
في الحالة الإيرانية اليوم الصورة مركبة، فهناك استهداف لقيادات عليا، خصوصا رأس النظام المتمثل بالمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، والذي كان يمكن أن يفتح المجال لاحتمالين متعارضين، أولهما انهيار سريع في حال دخول المؤسسات في صراع خلافة وفقدان القدرة على إصدار الأوامر وضبط الشارع، وثانيهما تماسك أكبر عبر توحيد الصف، وتشكيل قيادة مؤقتة تغلق المجال العام. كثير من التحليلات ترجح أن النظام الإيراني مصمم لتحمل صدمات القيادة عبر شبكات مؤسسية متعددة، وهو ما نراه حتى الآن على صعيد سلسلة الأوامر التي يبدو أنها لم تتأثر كثيرا.
النقطة الحرجة في الحالة الإيرانية تتمثل باستهداف “القيادة العليا جدا” في نظام ثيوقراطي أمني، لتتحول المسألة من أزمة عسكرية فقط، إلى أزمة شرعية، فالنظام في طهران ليس رئاسيا عاديا، فهو يقوم على متواليات تتمثل بمركز ثقل ديني، وهو المرشد، ومؤسسة الحرس الثوري كعمود صلب، وشبكة اقتصادية أمنية مترابطة، ومجلس خبراء يملك آلية اختيار البديل.
من خلال التصميم المؤسسي لهذا النظام، يبدو أنه تم بناؤه على افتراض غياب المرشد، ما يجعله أقل هشاشة مما يبدو. لكن مقتل قيادات كبرى في وقت حرب مفتوحة قد يؤدي لاهتزاز صورة الهيبة الأمنية، ولصراع غير معلن حول مسؤولية الاختراق والتقدير الاستخباراتي.
في حال لم يحدث سقوط كامل، فإن تعطل القيادة، أو اضطراب سلسلة الأوامر داخل الحرس والأمن، قد يولد فوضى تترجم إلى فراغ في بعض المناطق أو تنازع نفوذ داخل الجهاز نفسه. 
هناك إشارات إلى احتجاجات ونشاط معارض خلال الأسابيع الماضية، وحتى الآن لا توجد تقارير واضحة فيما إذا كانت مستمرة أو تعطلت بعد الضربات. ومع ذلك، فالاحتجاج وحده لن يكون قادرا على إسقاط النظام إذا لم يتحول إلى إضرابات تمتد لقطاعات حيوية كالطاقة والنقل والموانئ، وغيرها. وأيضا فإن الاحتجاجات من دون قيادة واضحة وتنسيق ميداني، سيبقي تأثيرها دون المستوى المطلوب، ما لم يحدث أمر كبير مفاجئ من خلال تصدع في ولاء الأجهزة الأمنية، وهي الأمور الغائبة حتى الآن.
القراءة الموضوعية ترجح قدرة النظام على البقاء من خلال بناء شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والاقتصادية والدينية التي تمتلك مصالح وجودية في البقاء، ما يجعل سقوطه بالقصف أكثر صعوبة، كون كثيرين من داخل الدولة يعتبرون الهزيمة نهاية لهم. حتى أن قطاعات أو مكونات ناقمة قد تؤجل صراعها مع السلطة عند شعورها بتهديد خارجي مباشر، خصوصا مع سقوط ضحايا مدنيين وما يولده من غضب شعبي، وتوحيد للمشاعر تحت مفهوم “الدفاع عن الوطن”.
حتى وإن اشتدت الضربات الجوية أكثر من ذلك، فإن الأمر لا ينجح إلا إذا كان مصحوبا بـ”أزمة خلافة”، وتحرك داخلي واسع. لكن المؤشرات على الأرض، تكشف عن أن قنوات القرار ما تزال فاعلة بقوة، وأن هناك مركزية واضحة في عملها. بينما لم نشهد ظهور أي انشقاقات علنية أو صراع بيانات في أجنحة النظام، كما لا توجد مؤشرات على احتجاجات أو إضرابات في قطاعات مؤثرة. 
إيران ما تزال تحت الضربات، وحتى الآن يبدى نظامها تماسكا ظاهريا واضحا، وما لم تتبدل الصورة خلال الايام المقبلة، فلن يكون حديث وسائل الإعلام عن انهيار النظام سوى تمنيات لا أساس منطقيا لها.