المومني تكتب: من الحقوق إلى القانون

 

د.نهلا عبدالقادر المومني


عندما التحقت بدراسة القانون في الجامعة الأردنية، كان أول سؤال بدأ بملاحقتي، لماذا أدرس القانون في كلية تسمى الحقوق؟ كان هذا السؤال بداية لطريق طويل غير منقطع من الأسئلة.
 

وفي محاولات عديدة للوصول إلى الإجابة، كان لا بد من العبور عبر سلسلة أخرى طويلة من الأسئلة، فهل كان هذا لأن الحق أقدم من القانون وأسبق منه؟ أم أن الحق لسموه يتسع ليشمل القانون؟ أم لعظم وقداسة فكرة الحق وارتباطها بأصل وجود الإنسان ابتداء؟ أم لأن الحق هو أصل نشأة فكرة القانون؟ أم لأن القانون ما كان ليولد لولا وجود الحق؟ أم أن القانون ما كان سوى أداة من أدوات حماية وتنظيم الحقوق ووقف الانتهاك ما استطاع إلى ذلك سبيلا؟ أم أن القانون هو سيف العدل والعدل ما هو إلا جوهر الحق؟
كان ذلك سؤالا عابرا في حينها لطالبة تحاول فك رموز الحقيقة والحق والعدالة، سؤال عابر أصبح لاحقا عنوان القصة الرئيس، ومحركا لمواقف ومعتقدات وقناعات ولمشهد الحياة عموما، لأوقن بعدها أنه لم يكن سؤالا عابرا؛ بل كان هاجسا موغلا في عمق التاريخ وحلما راود البشرية منذ وجودها... أن يكون الحق محركا وفاعلا ومكونا وجدارا وسدا أمام الظلم والطغيان والتمييز وغير ذلك مما اختبره البشر وناضلوا من أجله.
القانون وفكرة الحق وما بينهما والعدالة والشعور بمضامينها، مفاهيم متقاطعة تجد كل واحدة ضالتها في الأخرى؛ وما هو أكيد ان القانون في جوهره جاء تكريسا لفكرة الحق؛ فالقانون المتوائم وهذه الفكرة هو بالضرورة قانون قادر على انشاء علاقات انسانية متوازنة، تتسم بالإنسانية والعدالة. وهو ما عبر عنه الفيلسوف اليوناني أرسطو في فلسفته القانونية عندما أرسى المبدأ القائم على أنّ القوانين هي تعبير عن العدالة والإنصاف والحق.
القانون عندما يقترن وفكرة الحق يكون متزنا، مجردا ومنسجما  وتطلعات الأفراد، يشعرون بإلزاميته ويدافعون عنه، أما إذا خرج عن هذا النهج، فقد الأفراد الثقة بمضامينه ووجدوه ندا لهم لا ضامنا لأحلامهم وتطلعاتهم. 
الابتعاد عن جوهر الأشياء سبب شقاء الإنسان والإنسانية على حد سواء، كلما ابتعدنا عن جوهر الدين، كلما ابتعدنا عن جوهر القانون، كلما ابتعدنا عن جوهر الوجود، كلما طغت صغائر الامور فأنستنا أصل الأشياء وجوهرها.
في القانون، كان جوهر نشأته وولادته حماية فكرة الحق وصونها،  وكان السعي نحو الحق هدفا وغاية، ولو بقي الانسان ملتصقا بجوهره هذا لنجح في بناء علاقات إنسانية مجردة مسالمة، مبنية على الثقة ولبقيت الإنسانية غضةً نقيةً في نفوس أصحابها؛ ذلك أن الحق هو رديف الإنسانية وفكرتها الأساسية.