التل يكتب: صدمة قواعد الاشتباك: لماذا تقلب طهران حسابات واشنطن في مواجهة الشرق الأوسط؟!

 

د.مصطفى التل

في خضم غبار المعارك والدخان المتصاعد من سماء الشرق الأوسط، اسمحوا لي  بتحليل مغاير يقلب الطاولة على السردية الرسمية للحرب.

فبينما تحاول واشنطن تسويق العدوان على إيران كضربة موجعة تقترب من تحقيق أهدافها، ثمة قراءة مختلفة جذرياً ترى أن الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية لم تفشل فقط في تحقيق هدفها الاستراتيجي، بل ربما تكون قد استدعت وحشاً مختلفاً مكتملا .

يقوم التحليل الغربي التقليدي على فرضية أن إيران نظام هش وأن القضاء على رأس الهرم سيؤدي إلى انهيار داخلي أو انقلاب شعبي على النظام,  لكن قراءة المشهد من زاوية مغايرة تماماً، تستند إلى سيكولوجية المواجهة في الشرق الأوسط، تكشف عن خلل فادح في هذه الحسابات.

مقتل القيادات الإيرانية الكبرى، الذي وصفتها واشنطن بأنها ضربة قاضية، تتحول في يد طهران إلى وقود للتماسك الداخلي, ما حدث هو العكس تماماً لما توقعته دوائر صنع القرار في البنتاغون، فلم يخرج الإيرانيون يطالبون بإسقاط النظام، بل خرجوا يطالبون بالانتقام، وهذا الخلل الفادح في فهم التركيبة الاجتماعية-السياسية الإيرانية أدى إلى فشل الحملة النفسية التي رافقت الضربات العسكرية.


المحور  الأكثر إزعاجاً لواشنطن هي الحديث عن الرد الإيراني غير المسبوق، حيث لم تعد إيران تلتزم بقواعد الاشتباك القديمة التي كانت تقتصر على الرد عبر وكلاء أو بصواريخ باليستية محدودة , فالضربات الإيرانية التي طالت إسرائيل ودولاً عربية في الخليج والمنشآت الاقتصادية الحيوية، ترسل رسالة واضحة مفادها أن كل شيء  أصبح مطروحاً على الطاولة.

هذا التوسع في دائرة النار يحمل تداعيات وجودية على دول الخليج العربية، فإذا كانت أنظمة الدفاع الأمريكية المتطورة التي كلفت مليارات الدولارات عاجزة عن اعتراض صواريخ إيرانية أو حماية البنية التحتية للنفط والتحلية، فإن فكرة الدرع الأمريكي تتبخر كسراب.

هنا تصل القراءة إلى جوهر الأزمة الوشيكة، حيث تواجه الولايات المتحدة أزمة مصداقية مع حلفائها، فبينما تدفع دول الخليج ثمناً باهظاً أمنياً واقتصادياً لهذه الحرب عبر استهداف أراضيها، تثبت الأيام أن واشنطن قد لا تكون قادرة على الوفاء بوعدها بالحماية المطلقة.


ثمة مأزق لوجستي آخر يلوح في الأفق، فالحرب مع إيران ليست حرباً خاطفة كحرب الخليج الثانية، بل هي حرب استنزاف.

التقديرات التي قدمها قادة عسكريون للإدارة الأمريكية قبل الحرب كانت واضحة في أن استمرار المواجهة بهذه الوتيرة يعني نضوب الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية في المنطقة.

هذه هي مفارقة القوى العظمى، فالولايات المتحدة تدير حرباً من على بعد آلاف الأميال وتعتمد على سلاسل إمداد معقدة وقواعد خلفية، بينما تدير إيران دفاعها من داخل أراضيها وبإمكانات بشرية لا تنضب.

السيناريو المستقبلي المقلق يتمثل في أن تتعافى إيران من الضربات خلال أشهر، بينما يستغرق البنتاغون سنوات لإعادة بناء مخزونه الاستراتيجي في المنطقة، وفي هذه الأثناء سيكون على دول الخليج أن تدفع فاتورة إعادة التسليح الأمريكية أو أن تعيد النظر في خياراتها الاستراتيجية بالكامل.

الحرب لم تنتهِ، وما زالت المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن ما حدث هو أن أسطورة التفوق الأمريكي المطلق تلقت خدشاً عميقاً.

فالاختبار الحقيقي الآن ليس في قدرة أمريكا على ضرب المزيد من المواقع الإيرانية، بل في قدرتها على حماية حلفائها في قلب العاصفة، والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية في مواجهة حرب استنزاف طويلة، وإعادة بناء ردع استراتيجي مهتز أمام قوة إقليمية أثبتت قدرتها على الصمود والرد.

في النهاية، قد تكون الأيام المقبلة اختباراً مصيرياً ليس فقط لبقاء النظام في طهران، بل لبقاء النظام الأمني الذي أقامته أمريكا في الخليج على مدى العقود الماضية.