الفرجات يكتب: إلى أثرياء الأردن: حوّلوا الودائع لاستثمارات… فهي الأضمن لكم، والأنفع للناس
كتب: أ.د. محمد الفرجات
العالم لا يتحرك اليوم في بيئة مستقرة أو قابلة للتنبؤ.
صراعات جيوسياسية ممتدة، اضطراب في سلاسل الإمداد، إعادة تشكيل للتحالفات الاقتصادية، وضغوط متبادلة بين الكتل الكبرى.
هذه التحولات لا تعني انهيار النظام المالي العالمي، لكنها تعني شيئًا أكثر دقة: دخول الاقتصاد الدولي مرحلة إعادة تموضع طويلة الأمد.
في هذا السياق، يصبح من المشروع طرح سؤال اقتصادي بحت:
هل تمثل الودائع البنكية الخيار الأمثل لإدارة الثروات في المرحلة المقبلة؟ وهل يخدم تجميد السيولة المصلحة الخاصة والعامة على حد سواء؟
أولًا: السياسة النقدية دورة… لا حالة دائمة
لا جدال في أن الدولار ما يزال عملة الاحتياط الأولى عالميًا، وأن أدواته المالية تتمتع بعمق وسيولة مرتفعين. غير أن السنوات الماضية شهدت تشددًا نقديًا واسعًا قاده الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة التضخم، ما انعكس في رفع أسعار الفائدة إلى مستويات جذبت المدخرات نحو الودائع وأدوات الدخل الثابت.
بالنسبة لكثير من الأثرياء في الأردن، وفرت الفائدة المرتفعة عائدًا مريحًا منخفض المخاطر. لكن السياسة النقدية بطبيعتها دورية.
ومع بدء مسار خفض الفائدة تدريجيًا، فإن العائد الحقيقي على الودائع مرشح للتراجع، خصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار معدلات التضخم المتوسطة الأجل.
الفائدة المرتفعة كانت استجابة ظرفية لصدمة تضخمية؛ وليست نموذجًا مستدامًا للعائد طويل الأمد.
ثانيًا: الذهب أداة تحوط… لا استراتيجية تنمية
الذهب تاريخيًا أداة تحوط ضد المخاطر النظامية. إلا أنه أصل غير مولِّد للتدفقات النقدية. قيمته ترتبط غالبًا بمستوى القلق العالمي لا بزيادة الإنتاجية.
من منظور إدارة الثروات، قد يكون الذهب جزءًا من محفظة متنوعة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الأصول الإنتاجية التي تحقق قيمة مضافة وفرص عمل وعوائد تشغيلية منتظمة.
التحوط ضرورة… لكن التنمية تتطلب أصولًا منتجة.
ثالثًا: الودائع في الأردن… استقرار مصرفي مقابل تجميد للسيولة
ارتفاع حجم الودائع في البنوك الأردنية يعكس متانة القطاع المصرفي وثقة المودعين — وهي نقطة قوة وطنية مهمة.
غير أن التحدي يكمن في أن جزءًا معتبرًا من هذه السيولة يظل في إطار أدوات قصيرة الأجل منخفضة المخاطر ومنخفضة التأثير التنموي.
اقتصاديًا، السيولة غير المستثمرة تمثل طاقة كامنة.
وعندما لا تتحول إلى استثمارات إنتاجية، فإن أثرها على النمو الحقيقي يظل محدودًا.
الفائدة البنكية توفر:
عائدًا اسميًا مستقرًا نسبيًا
سيولة مرتفعة
مخاطر منخفضة
لكنها لا توفر:
نموًا رأسماليًا طويل الأجل
مساهمة مباشرة في الناتج المحلي
تعظيمًا للقيمة السوقية للأصل ذاته
رابعًا: الاقتصاد الأردني… فرص ضمن إطار منضبط
الأردن لا يواجه فراغًا استثماريًا، بل يحتاج إلى إعادة توجيه رأس المال نحو قطاعات محددة ذات جدوى اقتصادية واضحة، من بينها:
العقار المنتج والمدر للدخل
الخدمات الصحية والتعليمية المتخصصة
اللوجستيات وسلاسل التوريد
الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة
السياحة النوعية والبيئية
التحول الرقمي والخدمات التقنية
هذه القطاعات قابلة للإدارة عبر دراسات جدوى دقيقة، وحوكمة رشيدة، وتنويع استثماري متوازن.
التحول من وديعة إلى أصل إنتاجي لا يعني التخلي عن الأمان، بل إعادة تعريفه ضمن منظور طويل الأجل.
خامسًا: من “عائد الفائدة” إلى “عائد القيمة المضافة”
الثروات الكبرى تاريخيًا لم تُبنَ على الفوائد المصرفية وحدها، بل على امتلاك أصول تولد تدفقات نقدية وتحقق نموًا رأسماليًا.
العقار المدروس يحقق دخلًا وإمكانات ارتفاع في القيمة.
المشروع التشغيلي الناجح يولد أرباحًا ويوسع قاعدة العملاء.
الشراكات المؤسسية تفتح أسواقًا جديدة.
في المقابل، تبقى الوديعة أداة إدارة سيولة — لا أداة تعظيم ثروة.
سادسًا: إدارة المخاطر لا تعني تجنبها بالكامل
الاستثمار الرشيد لا يقوم على المغامرة، بل على:
توزيع الأصول
احتفاظ بنسبة سيولة للطوارئ
استخدام أدوات مالية قصيرة الأجل عند الحاجة
توجيه الجزء الأكبر نحو أصول إنتاجية طويلة الأجل
بهذا المنهج، تنتقل الثروة من حالة “الحفظ” إلى حالة “التشغيل”.
سابعًا: البعد الوطني للاستثمار الخاص
تحويل جزء من الودائع إلى مشاريع إنتاجية لا يخدم المستثمر فحسب، بل ينعكس على:
تحقيق فرص العمل
توسيع القاعدة الضريبية
تعزيز الاستقرار الاجتماعي
دعم الاستقرار المالي
تقوية البيئة الاستثمارية
الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني لا يتحقق فقط عبر السياسات العامة، بل أيضًا عبر رأس مال وطني فاعل يتحمل مسؤوليته التنموية.
الدول لا تُبنى بالمدخرات المجمدة، بل برأس المال العامل ضمن إطار قانوني ومؤسسي مستقر.
الدولار يخضع لدورات.
أسعار الفائدة تتحرك صعودًا وهبوطًا.
الذهب يتحوط ولا ينتج.
الودائع مستقرة… لكنها محدودة الأثر.
أما الأصل المنتج — عقارًا كان أو مشروعًا أو خدمة — فهو الذي يجمع بين إدارة المخاطر وتعظيم العائد والمساهمة في الاقتصاد الحقيقي.
إلى الأغنياء في الأردن:
إدارة الثروة ليست فقط مسألة أمان، بل مسألة رؤية.
حوّلوا جزءًا مدروسًا من الودائع إلى استثمارات إنتاجية منضبطة.
فهي الأضمن لكم على المدى الطويل…
والأنفع للاقتصاد والمجتمع.