نصف قرن من الوهم الإيراني ورحانية عديمة الفائدة... البستنجي يوضح
قال الكاتب والباحث الدكتور حيدر البستنجي إن الصواريخ الغربية التي ضربت إيران تُعلن إغلاق دائرة تاريخية كاملة من التحولات السياسية والفكرية امتدت لنحو نصف قرن، في مشهد لم يتخيله روح الله الخميني ولا حتى الغرب نفسه، الذي دعم الشاه ضد مصدق، ثم وقف متفرجًا على سقوط نظام الشاه، ليعود اليوم ويقصف وريث تلك الثورة في صراع تحكمه المصالح لا المبادئ.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن ما يجري يعكس مفارقة تاريخية كبرى؛ فالغرب الذي خسر إيران الشاه، ثم واجه إيران الثورة، عاد ليصطدم بإيران الدولة العقائدية، في منطقة ما تزال حبلى بالتناقضات، وتثير دهشة أعقد المدارس الفلسفية والسياسية.
وبيّن البستنجي أن هذه الدائرة الفكرية والسياسية استوقفت الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي سافر إلى طهران في ذروة الثورة متنكرًا بصفة مراسل لصحيفة كورييري ديلا سيرا، ليس بدافع الصحافة، وإنما لفهم ما اعتبره ظاهرة إنسانية غير مسبوقة تتمثل في جماهير تتحرك بلا حزب، وبلا نظرية ثورية، وبلا نموذج جاهز.
ولفت إلى أن فوكو حاول الإجابة عن سؤال فلسفي مركزي تمحور حول الكيفية التي يمكن لأطياف متناقضة من اليمين واليسار أن تتوحد في ثورة ذات طابع روحاني، دون أن تكسر قيود المحافظة، وهو ما دفعه إلى توصيف ما يحدث بمفهوم "الروحانية السياسية"؛ أي تحرك جماهيري يستمد وقوده من تصور ديني للعدالة والكرامة، لا من هندسات الحداثة الأوروبية.
وأضاف البستنجي أن هذا الانبهار قاد فوكو إلى لقاء الخميني في منفاه قرب باريس، حيث كتب أن الثورة الإيرانية لا تبحث عن نظام بديل بقدر ما تبحث عن أفق وجودي مختلف وإرث حضاري لم يندثر، معتبرًا أنها ثورة لا تشبه أي ثورة حديثة عرفها الغرب.
وأشار البستنجي إلى أن الهوس الفلسفي الغربي بالثورة الإيرانية سرعان ما تبخّر عندما بدأت الثورة تأكل أبناءها والتي ظهرت في الإعدامات، والجلد العلني، وفرض الحجاب، وقمع المرأة، ومصادرة الفضاء الثقافي، حين انقلبت الروحانية الحالمة إلى سجن وجودي خانق.
وذكر أن فوكو تعرض حينها لانتقادات لاذعة من مفكرين بارزين مثل سيمون دو بوفوار ومكسيم رودنسون، واتُهم بإسقاط أحلام اليسار الغربي على واقع لا يعرفه، في داءٍ مزمنٍ لطليعة المثقفين الأوروبيين.
وأضاف أن فوكو التزم الصمت نسبيًا، قبل أن يكتب مقالته الشهيرة عام 1979 "الانتفاض عديم الفائدة؟"، مدافعًا فيها عن حق الشعوب في الثورة حتى عندما تنحرف نتائجها.
وأشار البستنجي إلى أن الإيرانيين أنفسهم أجابوا بعد 47 عامًا عن سؤال فوكو، حين خرجوا في 2025 و2026 ضد النظام الذي أنتجته تلك "الروحانية السياسية"، فقوبلوا بالقمع بالأدوات ذاتها التي استخدمها الشاه من قبل، لتأتي بعدها الصواريخ الأميركية وتُغلق الدائرة بصورة لم يتخيلها الفلاسفة ولا صناع القرار.
وخلص إلى أن التاريخ الإيراني يقدم درسًا قاسيًا، فالشعوب التي تثور باسم الكرامة قد تجد نفسها أسرى لمن يحتكر تعريف تلك الكرامة، وحينها لا تعود الثورة خلاصًا، فهي ستتحول إلى قيد جديد، أكثر صلابة وأشد عنفًا.