خطاطبة يكتب: تعديلات الضمان.. هل افتقدت لحس اكتواري ذكي؟

 

محمود خطاطبة


«دقة على الحافر ودقة على المسمار»، أو «لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم».. مثلان شعبيان يُضربان للتعبير عن ضرورة العمل بذكاء، لإرضاء طرفين، فيما يخص قضية مُعينة، أو التعامل بحكمة بهدف إيجاد حل وسط يُرضي جميع الأطراف.
 

تأتي هذه الكلمات في سياق النقاشات الدائرة في الأردن حول التعديلات الجديدة على قانون الضمان الاجتماعي، إذ كان ينبغي على مؤسسة الضمان أن تُظهر ذكاء وحنكة أكبر في التعامل مع هذه القضية، التي تمس كُل أُسرة أُردنية، كما كان يتوجب عليها (أي المؤسسة) أن تكون أكثر إنصافًا للمواطن، أكان موظفًا في القطاع العام أم الخاص، أم العامل أم حتى ذلك الشخص المُغترب الذي يشترك اختياريًا بـ»الضمان».
يبدو أن التساؤل: «لماذا تقف مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى جانب رأس المال على حساب الموظف أو العامل؟»، قد أصبح ساذجًا، وبلا معنى، لكثرة ترداده في كُل مُناسبة أو أزمة أو قضية.. لكن يبقى هذا السؤال مُهمًا يجب الوقوف عند تفاصيله وعلى حيثياته.
ويُعزز صحة هذه الأقوال، تصريح صادر عن مسؤول رفيع المستوى، يتناول ثلاثة خيارات، أوصى بها خبير، عقب الانتهاء من الدراسة الإكتوارية الخاصة بالضمان الاجتماعي.
ويقترح هذا الخبير الخيار الأول، رفع قيمة أو نسبة الاشتراك إلى ما يتراوح ما بين 24 بالمائة و26 بالمائة، أما الخيار الثاني فيتمثل بتخفيض عامل المنفعة، الذي يُحتسب على أساسه الراتب التقاعدي، والذي يُضرب وفق القانون الحالي بـ2.5 بالمائة لمن يقل راتبه عن ألف وخمسمائة دينار، وبـ2 بالمائة لمن يتجاوز راتبه هذا المبلغ. أما الخيار الثالث، فهو رفع أو زيادة سنوات الاشتراك للحصول على التقاعد المُبكر إلى 360 اشتراكًا، بعد أن كانت 300 اشتراك، وكذلك تقاعد الشيخوخة أو ما يُسمى وفق التعديلات الجديدة التقاعد الوجوبي إلى 240 اشتراكًا، بعد أن كانت 180 اشتراكًا.
عند قراءة هذه الخيارات ببساطة، يتبين أن هناك ميلًا أو توجهًا نحو دعم القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال، فالخيار الأول يستلزم رفع نسبة الاشتراك، ما يعني أن القطاع الخاص سيتحمل الجُزء الأكبر من العبء. وعليه، تم استبعاد هذا الخيار، بحجة أن الموظف أو العامل سيتحمل جُزءًا من هذه الزيادة، وأن «الضمان» يأخذ هذا التوزيع في الحسبان.
على الرغم من أن موضوع رفع نسبة الاشتراك له سلبيات عديدة، وقد تناول الكثيرون، بمن فيهم كاتب هذه السطور، هذا الموضوع بالتحليل والتمحيص والبحث المُستفيض، إلا أنه يظل حلًا مطروحًا.. ومثال ذلك، أن مريض السرطان يضطر لتلقي جُرعات كيماوية بهدف الشفاء، ما يعني أنه وافق على العلاج الكيميائي للقضاء على السرطان، أي اختيار أخف الضررين.
وإن كان موضوع ارتفاع نسبة الاشتراك، له سلبيات كثيرة، وكان الكثيرون ومنهم كاتب هذه السطور قد أشبعوا موضوع زيادة نسبة الاشتراك تحليلًا وتمحيصًا وبحثًا.. لكن يبقى في النهاية حلًا، فعلى سبيل المثال مريض السرطان يضطر إلى أخذ جُرعات كيماوية من أجل الشفاء، ما يعني أنه وافق على «الكيماوي» للقضاء على السرطان.
أما الخيار الثاني، المُتعلق بتخفيض عامل المنفعة، فهو في حد ذاته أشبه بـ»لُغز» أو مجموعة من «اللوغاريتمات»، إذ لا يمتلك أحد المعلومات الكاملة عنها، تمامًا كما هو الحال في التسعيرة الشهرية للمُشتقات النفطية.. وقد رُفض هذا الخيار أيضًا بذريعة أن راتب المُتقاعد سيتأثر سلبًا وينخفض، وهو ما أكده المسؤول نفسه.
وقد يكون هذا الحل، أخف ضررًا من رفع عدد الاشتراكات الشهرية، للحصول على راتب تقاعدي، إذا ما عولج بطريقة عادلة، وفق منهج أو أسلوب علمي، يعتمد على الحنكة والذكاء في إدارة هذه القضية بما يعود بالنفع على جميع الأطراف.
لم يتبق سوى الخيار الثالث، وهو رفع الاشتراك المُتعلق بالتقاعد المُبكر والتقاعد الإلزامي للشيخوخة.. ووفقًا للمسؤول، يُعد هذا الخيار الأقل سوءًا بين البدائل المُتاحة، هذا ما يُصرح به مسؤولون في مؤسسة الضمان عبر الشاشات الفضائية والبيانات والتصريحات الصادرة عنهم.
لكن هذا الحل يضر بالعامل أو الموظف بشكل كبير، خصوصًا وأن موظفي القطاع العام قد يكونون في وضع آمن، فالدولة ضامنة لتطبيق بند الإبقاء على الموظف حتى سن الخامسة والستين. أما المُشكلة فتكمن في القطاع الخاص، فهل تضمن الجهات المعنية استمرار هذا القطاع في الإبقاء على موظفيه حتى ذلك السن؟.
وبشأن سنوات الاشتراك في التقاعد المُبكر، فسلبياتها لا تُحصى وستظهر نتائجها العكسية، التي قد تضرب «الضمان» بمقتل، بعد سنوات قليلة من الآن.
وهناك نقطة بالغة الأهمية تتعلق بتصريح صدر عن المسؤول ذاته، يُفيد بأن «التعديلات المُقترحة تستهدف تمديد نقطة التعادل الأولى لمؤسسة الضمان الاجتماعي إلى العام 2042 كحد أدنى، بدلاً من حلولها العام 2030».. فهل يُشير هذا إلى أننا سنشهد تعديلًا جديدًا على قانون الضمان الاجتماعي بعد ثلاثة أو أربعة أعوام؟.
أما الخوف الأكبر، فهو ترك المجال للمواطنين والكُتّاب والمُحللين، بالإضافة إلى مجلس النواب، للانشغال بموضوع الخيارات الثلاثة (رفع نسبة الاشتراك، تخفيض عامل المنفعة، رفع سنوات الاشتراك)، بينما تكون هناك مواد أُخرى أكثر سلبية على المواطن، مثل حساب الراتب التقاعدي.