منصور يكتب: ما بال هلالنا شاحب؟
د.عاصم منصور
في كل عام ومع بزوغ هلال رمضان، تفتح الدنيا ذراعيها لاستقبال ضيفٍ كريم ليس كسائر الأضياف؛ ضيفٍ يجيء محملاً بعبق البركة، وطهر الوجدان، ونداء الإرادة التي كبلتها رتابة الأيام. فرمضان ليس مجرد محطة زمنية عابرة في تقويم العام، بل هو انبعاث حقيقي للإنسان، يطلق في أعماقه دوافع الخير الكامنة، ويوقظ في نفسه حوافز المعروف، ويبعث فيها معاني الورع التي تجعل من التقوى واقعاً معاشاً لا مجرد شعار.
في هذا الشهر، يحدث تحولٌ كوني في نمط الحياة؛ إذ تتغير في وقت واحد عادات ملايين البشر، وينسلخ الإنسان من روتينه اليومي المعتاد، ليدخل في نظامٍ إلهي بديع، يعيد صياغة العلاقة بين الروح والبدن. فالحياة في رمضان تكتسي حلةً من الجلال والسكينة، وتتمايز طريقة إشباع الاحتياجات الأساسية، فتصوم الجوارح قبل الأمعاء، وتسمو الروح فوق غرائز الطين، مما يجعل من هذا الشهر الموسم الأبرز عالمياً في تغيير السلوك البشري.
حين يحل رمضان، تهبُّ علينا النفحات الربانية والتجليات الإلهية، فنجد أنفسنا أمام فرصة ذهبية لضبط الإرادة وكسر قيد العادة، فرمضان تمرينٌ سنوي على الحرية؛ والانعتاق من سلطان الشهوة، ومن أسر المألوف، ففي رحاب هذا الشهر، تنبت قيم الصلة والتراحم، وتتجلى أسمى معاني المودة والترابط والتسامح.
وعلى الرغم من هذا البهاء، نجد من أحدث في رمضان ما ليس من روحه؛ فاستبدل السكينة بالضجيج، والزهد بالإسراف المفرط في احتياجات البدن، وهدر الوقت المقدس في ثقافة الاستهلاك واللغو والعبث، فتحويل رمضان إلى موسم للكسل والجمود أو لمجرد التفاخر بالموائد هو إفراغٌ للشهر من جوهره، وتحويلٌ للعبادة التي جاءت لتكسر قيود العادات إلى عادة روتينية تخلو من الروح والخشوع.
كما يجيء هلال رمضان هذا العام شاحبًا وواهنا جراء النزيف المتواصل الذي تعاني منه الأمّة التي تتناهشها الأمم، وحزينًا على واقعها الذي لم يحدث فيه تعاقب الأهلة الأثر المأمول.
ورغم ذلك يظل الصوم في جوهره ظاهرة فريدة وتجربة وجودية ثمينة، ينبغي لنا تعزيزها وربطها بالقيم الخيرة، فروح الصيام تنطلق من إرادة ذاتية راسخة، وقناعة صادقة بأن الإنسان قادر على الانعتاق من سجن الجسد إلى فضاء الروح الفسيح، وهذه التربية النفسية المكثفة هي التي تبدع في تكوين العادات الصالحة والعواطف النبيلة التي تفيض بالخير على البشرية جمعاء.
ولأن رمضان هو موسم التغيير، فإنه الموعد المرتقب لكل من يتوق إلى ثورة على ذاته القديمة، فيه يغتنم أصحاب الهمم قوة العزيمة للإقلاع عن العادات السيئة، والعودة إلى رحاب الله بقلوب تائبة. إنه موسمٌ خصب لكل بذر صالح؛ ولو فهم الناس حقيقة رمضان، لجعلوا منه سلاحاً ضد العجز، وعدواً لكل شر وطغيان.
إن آفاق الشهر الكريم فسيحة لا تحد، وأسراره خفية لا يدركها إلا من فتح قلبه لنوره، فحريٌّ بمن ذاق حلاوة الطاعة فيه أن يجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لا تتوقف، ليغرس في نفسه وفيمن حوله أطيب الأخلاق، ويجعل من رمضان منهج حياة يمتد أثره إلى ما بعد رحيل الهلال.