الدرعاوي يكتب: تأجيل الذمم سلوك حكومي خطير
سلامة الدرعاوي
عندما تستلم حكومة ملفاً مالياً مثقلاً بمتأخرات تبلغ 1.7 مليار دينار، فإننا لا نتحدث عن أخطاء إدارية لكن عن خلل هيكلي عميق في إدارة المال العام، فهذا الرقم ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه تحت عنوان "ظروف المرحلة"، إنه رقم يكشف أن سنوات مضت كانت تُدار فيها الموازنات بعقلية ترحيل الأزمات لا حلّها، وتجميل الأرقام لا تصحيحها.
والأخطر أن دعم الصادرات منذ عام 2022 بقيت عليه ذمم معلقة بقيمة 21 مليون دينار، وكأن قطاعاً حيوياً ينافس في أسواق إقليمية ودولية يمكنه الانتظار بلا التزامات حكومية واضحة.
حين ترفع حجراً فتجد تحته 21 مليوناً غير مدفوعة، ثم ترفع حجراً آخر فتجد ملايين مؤجلة، فالمشكلة لم تعد في بند هنا أو مخصص هناك، إنما في نهج كامل قام على تأجيل الدفع لتجميد العجز شكلياً، وهذا سلوك مالي خطير، لأنه يخلق موازنة "نظيفة على الورق" لكنها مثقلة بالتزامات مؤجلة في الواقع.
المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة؛ وزير المالية السابق يتحمل مسؤولية مباشرة، والحكومة السابقة تتحمل المسؤولية السياسية، ومجلس النواب ولجنته المالية يتحملان مسؤولية رقابية لا يجوز إنكارها، لكن كيف يصل رقم المتأخرات إلى هذا المستوى دون مساءلة حقيقية؟ كيف تمر السنوات دون كشف فجوة بهذا الحجم؟
النتيجة كانت اقتصاداً يدفع الثمن، تخيل أن المطابع لم تستلم مستحقاتها منذ خمس سنوات، والجامعات الرسمية مثقلة بالديون، ومستشفيات جامعية ومصفاة بترول تتراكم عليهم الالتزامات، وشركات توزيع كهرباء ومياه تتحمل أعباء كان يفترض أن تُسدد في وقتها، وهذه ليست أرقاماً صامتة؛ فهي سيولة مجمدة، ووظائف مهددة، وقطاعات تعمل بأقل من طاقتها بسبب تأخر مستحقاتها.
وفي المقابل، الحكومة الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان لم تلجأ إلى الإنكار أو التبرير، بل بدأت بفتح الملف كما هو، إذ إنه وخلال أسابيع، جرى تسديد ما يقارب 287 مليون دينار من المتأخرات، لذلك فإن قرار دفع 42 مليون دينار لصالح 11 مطبعة، منها 30 مليونا ضمن حزمة بلغت 125 مليون دينار، ليس مجرد إجراء مالي؛ هو رسالة بأن الدولة تعترف بالتزاماتها وتعيد ترتيب أولوياتها.
كذلك تسديد 60 مليون دينار لشركات توزيع الكهرباء، و10 ملايين لشركة مياه اليرموك، و25 مليونا لسلطة المياه، إضافة إلى أكثر من 100 مليون دينار للجامعات الحكومية ومثلها للمصفاة تقريبا، و40 مليونا لمستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي، و10 ملايين لمستشفى الجامعة الأردنية، يعكس تحركاً منهجياً لا انتقائياً.
الفارق الجوهري بين الحكومتين واضح، إذ إن السابقة اعتمدت سياسة التراكم الصامت، والحالية اختارت المواجهة المكلفة سياسياً ومالياً لكنها الضرورية اقتصادياً، لذلك فإن معالجة إرث بهذا الحجم شرط لإعادة الثقة بين الدولة والقطاع الخاص. والمستثمر الذي ينتظر مستحقاته خمس سنوات لن يغامر مجدداً بسهولة، لكن حين يرى التزاماً فعلياً بالسداد، فإن معادلة الثقة تبدأ بالتحسن.
الملف ما يزال ثقيلاً، والتحدي كبير، لكن الاتجاه مختلف، والسؤال الحقيقي ليس لماذا وُجدت المتأخرات، بل لماذا تُركت تتضخم بهذا الشكل دون رقابة صارمة.
أما اليوم، فالمعيار سيكون الاستمرار في السداد، ومنع تراكم جديد، وبناء موازنة تعكس الواقع لا تؤجله، وهنا فقط يمكن القول إننا انتقلنا من إدارة الأزمة إلى تصحيح المسار.