الفاهوم يكتب: الجامعات والولوج الاستراتيجي إلى المستقبل
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم تعد الجامعات مؤسساتٍ معزولة عن حركة الزمن، ولا أبراجًا معرفية مكتفية بذاتها، بل أضحت منصّاتٍ استراتيجية لصناعة المستقبل وإدارته. ففي عالمٍ يتغيّر بوتيرة متسارعة، تتقاطع فيه المعرفة مع الاقتصاد، وتتداخل فيه التقنية مع السياسة، ويتشابك فيه البحث العلمي مع احتياجات السوق والمجتمع، يبرز دور الجامعة بوصفها بوابة العبور الآمن من الحاضر إلى الغد. إن الولوج الاستراتيجي إلى المستقبل لم يعد خيارًا ترفيًا، بل مسارًا واعيًا يتطلّب إعادة تعريف وظيفة الجامعة وأدواتها، وعلاقتها بالإنسان والتنمية، لتتحول من ناقلٍ للمعرفة إلى صانعٍ للرؤية، ومن مُلقّنٍ للمناهج إلى مهندسٍ للقدرات والفرص.
في جامعة اليرموك، لا تنحصر جلسات الحوار التي تعقدها الإدارة العليا في إدارة تفاصيل الحاضر، بل تمتد لتشمل استشراف المستقبل وصياغته ضمن رؤية استراتيجية واضحة المعالم. فالجامعات الرائدة لا تنتظر التحولات حتى تفرض نفسها، بل تبادر إلى قيادتها، وتعيد تعريف دورها بوصفها مؤسسات منتِجة للمعرفة، وصانعة للأثر، وقاطرة للتنمية المستدامة.
ويبدأ الولوج الآمن إلى المستقبل الجامعي من حوكمة رشيدة للموارد، تقوم على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، وربط القرار المالي بالأولويات الأكاديمية والبحثية. فالاستدامة المالية ليست غاية منفصلة، بل ركيزة أساسية في منظومة التميّز المؤسسي، إذ تمكّن الجامعة من الاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير بنيتها التحتية، وتعزيز بيئة التعلم والبحث والابتكار.
وتُظهر التجارب العالمية أن الجامعات التي نجحت في تجاوز تحدياتها المالية والمؤسسية هي تلك التي تبنّت نماذج إدارية تشاركية، وفعّلت أدوات التخطيط القائم على السيناريوهات المستقبلية، وربطت الأداء بمؤشرات قابلة للقياس والتقييم. هذا النهج ينقل الجامعة من إدارة ردود الفعل إلى قيادة استباقية، توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الأكاديمية، وبين ضبط الإنفاق وتحفيز الإبداع.
وفي هذا السياق، تبرز الريادة الجامعية بوصفها نهجًا مؤسسيًا متكاملًا، لا نشاطًا هامشيًا أو شعارًا مرحليًا. فالريادة تعني القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، واستثمار المعرفة في حلول تطبيقية ذات قيمة مضافة. وعندما تُدمج الريادة بالبحث العلمي، وتُربط بالابتكار المفتوح، تتحول الجامعة إلى فاعل رئيسي في الاقتصاد المعرفي، لا مجرد مستهلك للموارد العامة.
ولا يقل عن ذلك أهمية بناء منظومة ابتكار متكاملة، تقوم على تشجيع التفكير الإبداعي، ودعم المبادرات العابرة للتخصصات، وتعزيز الشراكات البحثية مع القطاعين العام والخاص. فالشراكة المجتمعية والدولية لم تعد خيارًا تكميليًا، بل شرطًا لتحقيق الأثر والاستدامة، سواء عبر مشاريع بحثية مشتركة، أو برامج تدريبية تطبيقية، أو نقل معرفة فعّال يخدم المجتمع المحلي ويعزّز الحضور الدولي للجامعة.
كما أن التميّز المؤسسي في الجامعات الحديثة يُقاس بقدرتها على إحداث أثر ملموس، لا بعدد البرامج أو المباني فحسب. فالأثر مفهوم أكاديمي شامل يتجسّد في جودة الخريج، وقابليته للتوظيف، ومساهمته في معالجة قضايا المجتمع، إضافة إلى دور الجامعة في صياغة السياسات العامة وبناء الوعي. وهذا يفرض أن تتحول جلسات الحوار العليا إلى منصّات تفكير استراتيجي، تُراجع فيها الرسالة، وتُحدَّث الأهداف، ويُعاد فيها تعريف النجاح الجامعي.
إن جامعة اليرموك، بتاريخها الأكاديمي العريق ودورها الوطني الراسخ، تمتلك قاعدة صلبة للانطلاق نحو نموذج جامعة المستقبل: جامعة مبتكرة، ريادية، مستدامة، ومؤثرة. وما تحتاجه في هذه المرحلة هو ترسيخ ثقافة التخطيط الاستراتيجي القائم على البيانات، وتعزيز آليات المتابعة والتقييم، وربط الإنجاز بالأثر المتحقق، لا بالجهد المبذول فقط.
وخلاصة القول، إن المستقبل الجامعي لا يُبنى بالقرارات المتفرقة، بل برؤية متكاملة تجمع بين الاستراتيجية والاستدامة، والريادة والابتكار، والشراكة والأثر. وحين تنجح جامعة اليرموك في مواءمة هذه المفاهيم ضمن إطار مؤسسي واحد، فإنها لا تكتفي بالولوج إلى المستقبل، بل تسهم في صناعته، وتؤكد مكانتها كجامعة وطنية قادرة على المنافسة، والتجديد، وصناعة الفرق.