اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

البواعنه يكتب : "من الكرك إلى عمّان... إعادة تنشيط الخلايا الإرهابية أم استيقاظ الذئاب المنفردة؟"

{title}
أخبار الأردن -

العميد المتقاعد طلال البواعنه

لم يعد السؤال بعد استشهاد العريف جواد السلايطة في العملية الإرهابية التي شهدتها العاصمة عمّان، وقبلها بأيام الهجوم الدموي على كنيسة حمود في الكرك، مقتصراً على هوية المنفذين ودوافعهم، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أمني أكثر أهمية: هل نحن أمام حوادث إرهابية منفصلة، أم مؤشرات على مرحلة جديدة من إعادة تنشيط العناصر المتطرفة، سواء من خلال الخلايا المنظمة أو ما يُعرف بالذئاب المنفردة؟

إن قراءة المشهد الأمني خلال الأسبوعين الماضيين تستدعي النظر إلى مجموعة من التطورات المتزامنة؛ بدءاً من عملية الكرك، وما أعقبها من ضربات نفذها سلاح الجو الملكي الأردني ضد أوكار التنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا، مروراً بموجة التحريض والخطاب العدائي ضد الأردن على بعض منصات التواصل الاجتماعي، وضبط أسلحة أوتوماتيكية جرى تهريبها إلى المملكة بواسطة بالونات حرارية، وصولاً إلى الاعتداء الإرهابي الأخير على أحد رجال الأمن العام في قلب العاصمة.

هذه الوقائع، رغم عدم ثبوت وجود ارتباط عملياتي بينها جميعاً، لا ينبغي قراءتها بمعزل عن بعضها في إطار تقدير التهديدات الأمنية. فالتزامن وحده لا يثبت وجود مخطط موحد، لكنه يفرض فحص احتمالات متعددة، تتراوح بين نشاط إرهابي منظم، ومحاولات لإعادة تنشيط عناصر متطرفة، واستجابات فردية عفوية لبيئة تحريضية متصاعدة. وفي الحالات الثلاث، فإن النتيجة واحدة من حيث ضرورة رفع مستوى اليقظة والاستعداد.

ولعل العودة إلى العمليات الإرهابية التي شهدها الأردن خلال العقد الماضي تكشف عن تنوع لافت في أنماط التهديد. ففي إربد عام 2016 واجهت الأجهزة الأمنية خلية مسلحة، وفي البقعة من العام ذاته استُهدف مقر أمني، بينما شهدت الكرك هجوماً واسعاً امتد إلى مواقع مدنية وأمنية. ثم جاءت عمليتا الفحيص والسلط عام 2018 لتظهرا خطورة المجموعات المحلية المتأثرة بالفكر الإرهابي، قبل أن تعود الكرك عام 2026 إلى واجهة المشهد باستهداف تجمع مدني قرب كنيسة، ثم يأتي اعتداء عمّان الأخير باستهداف مباشر لأحد رجال الأمن باستخدام أداة حادة.

إن القاسم المشترك بين هذه العمليات ليس بالضرورة وحدة التنظيم أو القيادة أو أسلوب التنفيذ، وإنما قدرة الفكر الإرهابي على إنتاج أشكال متباينة من العنف، وفقاً للظروف والإمكانات والفرص المتاحة. وهو ما يؤكد أن التهديد لا ينحصر في الخلايا المسلحة التي تتلقى التعليمات وتنفذ المخططات، بل يمتد إلى أفراد قد يتحولون إلى أدوات للعنف دون حاجة إلى ارتباط تنظيمي مباشر.

وهنا تبرز إحدى أهم التحولات في بيئة الإرهاب المعاصر، وهي قدرة التنظيمات المتطرفة على التأثير في أتباعها وتحريكهم بصورة غير مباشرة. فقد يلتقط الفرد المتطرف إشارات التحريض والدعوات العامة المنشورة عبر المنصات الرقمية، ويفسرها باعتبارها دعوة شخصية للتحرك، فيختار بنفسه توقيت الاعتداء وهدفه وأداة تنفيذه، دون أن يتلقى أمراً مباشراً من قيادة التنظيم. وهذا ما يجعل التمييز ضرورياً بين من ينفذ العملية منفرداً، ومن يعمل باستقلال كامل عن أي تأثير أو ارتباط خارجي.

وفي ضوء ذلك، تكتسب عملية عمّان دلالة إضافية مع ما نشرته وسائل إعلام عن السجل القضائي السابق لمنفذها، الذي سبق أن أُدين في قضية إرهابية وصدر بحقه حكم بالسجن تسع سنوات، على خلفية مخطط تضمن استهداف مركز أمني في إربد. وإذا كانت هذه المعطيات تعيد فتح النقاش حول مخاطر العود إلى التطرف بعد انقضاء العقوبة، فإن القضية الأهم ليست الاعتراض على الإفراج القانوني عن المحكومين، بل تقييم مدى نجاح برامج التأهيل وإعادة الإدماج، وقدرة منظومة المتابعة على رصد مؤشرات العودة إلى العنف وفق أحكام القانون.

أما التطورات على الحدود الشمالية، فلا تقل أهمية في قراءة المشهد. فقد جاءت الضربات الأردنية ضد أوكار التنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا رداً على جريمة الكرك، وتبعها خطاب تحريضي وعدائي ضد الأردن عبر بعض المنصات الرقمية. ومن الخطأ التقليل من تأثير هذه البيئة، لأن التحريض لا يشترط أن يتحول إلى تعليمات مباشرة حتى ينتج أثراً أمنياً؛ فقد يكون كافياً لاستثارة عناصر متطرفة تبحث عن مبرر للتحرك أو فرصة لإثبات ولائها لأفكارها وتنظيماتها.

ويضاف إلى ذلك ضبط تسعة أسلحة أوتوماتيكية وأجهزة لتحديد المواقع في محافظة الكرك، بعد تهريبها بواسطة بالونات حرارية. ورغم أن التحقيقات لم تكشف بعد عن الجهة التي تقف وراءها أو الغاية النهائية منها، فإن هذه الواقعة تضيف مؤشراً آخر على طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه المملكة، خصوصاً عندما تُقرأ ضمن مشهد إقليمي تتداخل فيه التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب السلاح والتهديدات العابرة للحدود، دون افتراض أن جميعها جزء من شبكة واحدة.

إن ما يستدعي الانتباه اليوم ليس مجرد وقوع عمليتين إرهابيتين خلال فترة قصيرة، وإنما احتمال أن تكون البيئة المحيطة قد أصبحت أكثر قابلية لاستثارة عناصر متطرفة أو إعادة تنشيطها. وهذا الاحتمال يضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات أمنية: اعتداءات فردية متفرقة، أو استجابات ذاتية لخطاب تحريضي متصاعد، أو محاولات منظمة لإعادة تحريك عناصر وشبكات إرهابية. ولا يمكن ترجيح أحد هذه السيناريوهات دون نتائج التحقيقات والمعلومات الأمنية، لكن الاستعداد لها جميعاً يمثل جوهر العمل الاستباقي.

لقد أثبتت الأجهزة الأمنية الأردنية، عبر سنوات طويلة من المواجهة، قدرتها على إحباط مخططات إرهابية معقدة والتعامل مع تهديدات متعددة المصادر. وما تفرضه التطورات الراهنة ليس التشكيك في هذه القدرات، وإنما التأكيد على أهمية توظيف الخبرة المتراكمة في مراجعة تقديرات التهديد، وتكثيف الجهود الاستباقية، وتعزيز متابعة مؤشرات التطرف والتحريض وإعادة التنشيط، ضمن الأطر القانونية وبما يحفظ أمن المجتمع وحقوق أفراده.

فالأخطر في الإرهاب ليس دائماً حجم العملية التي وقعت، وإنما ما إذا كانت تكشف عن تحولات في البيئة التي أنتجتها، أو تحمل مؤشرات مبكرة على اعتداءات أخرى.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا بعد الكرك وعمّان ليس فقط كيف وقعت العمليتان، بل هل نحن أمام بداية موجة جديدة من محاولات استهداف الأردن، أم أمام حوادث متفرقة تستثمر مناخاً إقليمياً مضطرباً؟

قد لا تكون الإجابة متاحة اليوم، لكن التجربة الأردنية علمتنا أن مواجهة الإرهاب لا تنتظر اكتمال الصورة، وأن المبادرة الاستباقية تبدأ من قراءة المؤشرات الصغيرة قبل أن تتحول إلى تهديدات كبيرة.

فالأردن لايبدأ من الصفر فيمواجهة الإرهاب، بل يستند إلىإرث طويل من الخبرةالأمنية والعمل الاستباقي الذيأثبت فاعليته على مدى عقود،وهي خبرة تظل الركيزةالأساسية في قراءة التحولاتالراهنة، واستشراف التهديدات المحتملة، والحفاظ على أمن الوطن واستقراره.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية