العثامنة يكتب: من يصلح الدولة التي تقود الإصلاح؟
مالك العثامنة
لماذا يحتاج الملك، بعد أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية، إلى تذكير المسؤول بأن الوظيفة العامة ليست تشريفا، وأن القانون لا يعرف اسما ولا منصبا ولا نفوذا؟ وهل تعاني الدولة نقصا في التشريعات والتوجيهات، أم أن مشكلتها تكمن في بنية مؤسساتية وسياسية أتقنت التعايش مع الإصلاح المعلن دون أن تضطر بالضرورة إلى إصلاح نفسها؟
في خطاب العرش الذي ألقاه الملك عبدالله الثاني يوم الاثنين الماضي، برزت مفردات سيادة القانون ومصلحة المواطن ومسؤولية السلطات، إلى جانب دعوة واضحة لتسريع المشاريع الاقتصادية الكبرى، وهي مضامين تبدو للوهلة الأولى امتدادا لخطاب الدولة الأردنية في السنوات الأخيرة، لكنها تثير سؤالا أكثر عمقا عن المسافة بين الإرادة السياسية العليا وقدرة مؤسسات الدولة على تحويل تلك الإرادة إلى واقع مستقر، لا يحتاج في كل مرة إلى تدخل أو تذكير من رأس الدولة.
الأردن لا يعاني نقصا في مشاريع الإصلاح، فقد أصبح لدينا مسار للتحديث السياسي وآخر اقتصادي وثالث إداري، ولدينا قوانين انتخاب وأحزاب جديدة، ومجلس نواب تشكل وفق قواعد مختلفة، ورؤية اقتصادية طموحة، وبرامج لإعادة هيكلة الإدارة العامة، لكن هذه المسارات الثلاثة تبدو وكأنها تسير بسرعات مختلفة، بل وبمنطق مختلف أيضا، حتى أصبح ممكنا أن تتقدم الدولة اقتصاديا في إدارة مشاريعها بينما تراوح سياسيا في إدارة تناقضاتها.
ولعل حكومة الدكتور جعفر حسان تقدم المثال الأكثر وضوحا على هذه المفارقة.
فمنذ تشكيلها، حظيت الحكومة بإسناد ملكي لافت، وبدعم واضح لمسارها التنفيذي، وهو إسناد منحها فرصة استثنائية للعمل والاستقرار والاستمرار، وسمح لرئيسها بتكريس نموذج ميداني في إدارة الملفات، يتابع المشاريع ويزور المحافظات ويلاحق التنفيذ ويضغط باتجاه الإنجاز، وهي مقاربة لا يصح التقليل من قيمتها في دولة عانت طويلا من حكومات تجيد إعلان المشاريع أكثر مما تجيد تنفيذها.
لكن هذا النجاح النسبي في إعادة الاعتبار للعمل التنفيذي كشف في المقابل عن خلل في فهم الوظيفة السياسية للحكومة، حتى بدا مجلس الوزراء في كثير من الأحيان أقرب إلى هيئة عليا لإدارة المشاريع منه إلى حكومة تمتلك كامل أهليتها السياسية والدستورية.
والفارق هنا جوهري، فالحكومة ليست شركة مقاولات وطنية، ورئيس الوزراء ليس مديرا تنفيذيا لمجموعة مشاريع، مهما بلغت أهميتها وجدواها، بل هو رئيس السلطة التنفيذية، المسؤول عن صياغة السياسات العامة وإدارة التناقضات الاجتماعية والسياسية، وعن بناء التوافقات والدفاع عن الخيارات الحكومية أمام البرلمان والرأي العام، وعن قيادة التحول السياسي الذي تعهدت به الدولة، لا الاكتفاء بمراقبة تقدم العمل في المشاريع الكبرى.
والمفارقة أن الحكومة التي تتمتع بهذا القدر من الإسناد الملكي لم تستثمره بالقدر الكافي لتوسيع المجال السياسي، بل بدا وكأنها اختارت المنطقة الأكثر أمانا في العمل العام، حيث يمكن قياس الإنجاز بنسب التنفيذ والجداول الزمنية وحجم الإنفاق، بينما تركت الملفات السياسية الأكثر تعقيدا في منطقة رمادية يصعب تحديد من يديرها ومن يتحمل مسؤوليتها.
وهذا ليس مجرد انطباع سياسي، فتقييم مركز الحياة – راصد بعد عامين من تشكيل الحكومة أظهر أن 51% من قرارات مجلس الوزراء ارتبطت بالتحديث الاقتصادي، مقابل 19% للتحديث الإداري، بينما لم تتجاوز القرارات المرتبطة بالتحديث السياسي 2%، وهي أرقام لا تقيس وحدها جودة الأداء، لكنها تكشف بوضوح عن ترتيب الأولويات الحكومية.
الأكثر دلالة أن غالبية الأحزاب التي شملها تقييم المركز أبدت عدم رضاها عن الأداء السياسي للحكومة، فيما رأى أكثر من نصف النواب أن تأثير مجلسهم في قراراتها محدود أو معدوم، وهو وضع يصعب التوفيق بينه وبين الحديث عن انتقال تدريجي إلى حكومات برلمانية حزبية، يفترض أن تقوم على التفاعل بين الحكومة والبرلمان والأحزاب، لا على إدارة العلاقة معها بالحد الأدنى اللازم لتمرير التشريعات.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن حسان نجح في بناء صورة رئيس وزراء جاد ومتابع، وأن حكومته احتفظت بمستوى معتبر من الثقة العامة بعد عامين من العمل، وهو ما يمنح النقد هنا بعدا مختلفا، لأن المشكلة ليست في غياب الجدية أو في عجز مطلق عن الإنجاز، بل في اختزال الجدية بالإنجاز التنفيذي وحده، وكأن السياسة عبء يمكن تجاوزه بالاكتفاء بالإدارة الجيدة.
لقد انتهى عمليا عصر الدولة الريعية التقليدية، ولم تعد الدولة قادرة على ضمان الوظيفة والامتياز والدخل للمواطن كما كانت تفعل في مراحل سابقة، لكن الذهنية الريعية لم تنته، بل بقيت حاضرة في البيروقراطية وشبكات المصالح والعلاقة غير المتكافئة بين المواطن والإدارة، فيما لا يزال القطاع الخاص نفسه يصطدم بعقلية رسمية تتعامل معه أحيانا بوصفه طالب خدمة لا شريكا في إنتاج الثروة.
وإذا كانت الحكومة منشغلة بتعبئة فراغ الدولة الريعية بالمشاريع والاستثمارات، فإنها مطالبة أيضا بمعالجة الفراغ السياسي والاجتماعي الذي يتركه انحسار ذلك النموذج، لأن الوظيفة العامة لم تكن مجرد مصدر دخل في التجربة الأردنية، بل كانت كذلك جزءا من علاقة الدولة بمجتمعها، وحين تتغير هذه العلاقة دون بناء بديل سياسي واقتصادي عادل، تصبح الثقة العامة أكثر هشاشة.
وهنا لا يعود السؤال كم مشروعا أنجزت الحكومة، بل أي مجتمع تريد هذه المشاريع أن تبني، وأي طبقة وسطى يمكن أن تنتج، وأي علاقة جديدة ستنشأ بين المواطن والدولة.
كما أن الحديث عن الإصلاح السياسي يفقد جانبا مهما من معناه إذا لم يترافق مع مراجعة شجاعة لمفهوم المواطنة، وتحريره من الهواجس التاريخية والحساسيات المرتبطة بالأصول والمنابت، وبملف العلاقة الأردنية الفلسطينية الذي تركت تعقيداته آثارا ممتدة في الوعي السياسي والاجتماعي.
فالدولة التي تواجه تهديدات إسرائيلية توسعية على حدودها الغربية لا تستطيع أن تتعامل مع تماسك جبهتها الداخلية باعتباره مجرد شعار تعبوي، بل عليها أن تعززه بمواطنة متساوية وواثقة، وبضمانات قانونية تحمي الحقوق المستقرة، وبحياة سياسية لا يشعر فيها أي مكون اجتماعي أنه موضع ريبة أو اختبار دائم للانتماء.
والأمر نفسه ينطبق على مواجهة التطرف الديني، فقد أعادت جريمة الإرهاب الأخيرة في الكرك التذكير بأن قوة الأجهزة الأمنية، على أهميتها وحيويتها، لا تكفي وحدها لحماية المجتمع إذا لم تترافق مع مشروع ثقافي وتربوي وسياسي يتصدى لخطاب الكراهية والتعصب، ويعيد بناء الوعي الجمعي على أساس التعددية والعقل النقدي والمساواة وسيادة القانون.
هذه كلها ملفات سياسية بامتياز، ولا يمكن إدارتها بمؤشرات الأداء الاقتصادي أو زيارات المتابعة الميدانية.
إن استعادة الدولة لعافيتها لا تكون فقط بتحديث بنيتها التحتية أو تحسين خدماتها، وإنما أيضا بإعادة الاعتبار للمسؤولية السياسية داخل مؤسساتها، وتحديد مراكز القرار والمساءلة، وتحرير الإدارة العامة من النفوذ غير المؤسسي، وإخضاع الجميع لقواعد دستورية وقانونية لا تستثني أحدا.
وهذا تحديدا ما يجعل خطاب العرش الأخير مناسبة لمساءلة الحكومة بقدر ما هو دعوة إلى دعم جهودها، فالملك الذي يطالب بتسريع المشاريع الكبرى هو نفسه الذي يؤكد أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب القرار، وأن البرلمان رقيب على الأداء الحكومي، وأن القانون يتقدم على الأشخاص والنفوذ، وهي رسالة لا يصح اختزالها في الجانب التنفيذي وحده.
لقد حصلت حكومة جعفر حسان على فرصة سياسية لا تتكرر كثيرا في التجربة الأردنية، فرصة الاستقرار والإسناد الملكي ووضوح التكليف، وكان يمكن لهذه العناصر أن تمنحها مساحة أوسع للمبادرة السياسية، ولإطلاق حوار وطني مسؤول حول مستقبل الحياة الحزبية والإدارة المحلية والمواطنة وعلاقة الدولة بالمجتمع، دون أن يتعارض ذلك مع أولويات الاقتصاد والتنمية.
بل إن نجاحها الاقتصادي المفترض يحتاج إلى هذا المسار السياسي حتى يستقر ويكتسب شرعيته المجتمعية، لأن المشاريع الكبرى قد تحسن بنية الاقتصاد، لكنها لا تنتج تلقائيا الثقة أو المشاركة أو الشعور بالعدالة.
ليس المطلوب من حسان أن يتخلى عن عقلية الإنجاز، بل أن يكملها بعقلية رجل الدولة السياسي، وأن يدرك أن إدارة الاقتصاد جزء من وظيفة الحكومة، وليست الوظيفة كلها.
فالأردن لا يحتاج إلى حكومة أقل انشغالا بالمشاريع، وإنما إلى حكومة أكثر انشغالا بالدولة، بكل ما تعنيه من مؤسسات ومجتمع ومواطنة وسياسة ومسؤولية دستورية.
وفي دولة يستمر فيها الملك بتحمل العبء الأكبر في تحديد الاتجاهات الاستراتيجية وحماية الثوابت الوطنية وإدارة التحديات الإقليمية، يصبح من الضروري أن ترتقي الحكومة إلى كامل دورها، بدلا من أن تتقلص وظيفتها السياسية كلما توسعت وظيفتها التنفيذية.
ذلك أن الدولة التي تريد الانتقال إلى الحكومات البرلمانية لا تستطيع أن تواصل التعامل مع السياسة باعتبارها ملفا مؤجلا، ولا يمكن لحكومة أن تقود التحديث وهي تنجح في إدارة المشاريع أكثر مما تنجح في إدارة المجال السياسي الذي يفترض أن يحتضنها.
فالسؤال الذي يواجه حكومة جعفر حسان اليوم ليس إن كانت قادرة على إنجاز المشاريع، بل إن كانت مستعدة للانتقال من إدارة المشاريع إلى ممارسة الحكم بكامل مسؤولياته السياسية والدستورية.
وهذا، في النهاية، هو الامتحان الأصعب لأي حكومة تريد أن تكون شريكا في إصلاح الدولة، لا مجرد جهاز ناجح في تنفيذ مشاريعها.







