روحي تكتب : "شغب المدن… وتصدّع المعنى"
تهاني روحي
حين تصلنا صور الشغب في مدن أوروبية مختلفة، تستوقفنا النيران والمحال المحطمة ومشاهد المواجهة. وراء هذه المشاهد، يلحّ سؤال، كيف تتصدّع علاقة الإنسان بمجتمعه؟ وما الذي يجعل بعض الأفراد يتعاملون مع الشارع والمدرسة والمرافق العامة كأنها أشياء غريبة عن حياتهم، مع أنها جزء من حاضرهم ومستقبلهم؟
تختلف السياقات، وتتعدد أسباب الغضب وأشكال التعبير عنه، ويظل التمييز بين الاحتجاج السلمي والاعتداء على الناس وممتلكاتهم ضروريًا. وتتداول وسائل الإعلام تحليلات تلقي باللوم على المهاجرين تارة، وعلى جيل زد أو التيارات الفكرية والدينية تارة أخرى. لكن، ما التصوّر الذي نحمله عن الإنسان، وكيف ينعكس على تربيتنا له، وحديثنا عنه، والمساحة التي نتيحها لمساهمته.
أنطلق من إيمان راسخ بأن الإنسان كائن نبيل، تكمن فيه جواهر من العقل والوجدان والمحبة والقدرة على العطاء. وهذه القدرات تحتاج إلى تربية وتجربة وعلاقات تساعد على اكتشافها وصقلها. فالعدل يُتعلم حين يختبر الإنسان الإنصاف ويمارسه، والتعاطف ينمو حين يصغي إلى معاناة غيره، والمسؤولية تتعمق حين يرى أثر اختياراته في حياة الآخرين.
وقد تحجب هذه الخصال مؤثرات هدامة: الإذلال، والتعصب، وتمجيد القوة، والرسائل التي تجعل قيمة الإنسان مرهونة بما يملك أو بما يستطيع انتزاعه من غيره. عندها، تضطرب لديه موازين الحكم، ويصبح إيذاء الآخر مقبولًا ما دام ينتمي إلى جماعة مختلفة، أو يبدو التخريب وسيلة لإثبات الحضور.
وحين ننظر إلى شباب جيل زد بوصفهم مشكلة محتملة، وإلى الفقراء بوصفهم احتياجات متراكمة، وإلى المختلفين بوصفهم مصدر تهديد، فإننا نضيق معرفتنا بهم قبل أن نقترب منهم.
إذن، ما الذي يستطيع كل إنسان تقديمه؟ وكيف يكتسب هذا الفهم أهمية خاصة في مرحلة المراهقة والشباب، حين تتشكّل تصورات الفرد عن هويته ومعنى حياته وموقعه بين الآخرين. وتتزاحم الرسائل، فيما يسمعه في البيت، وما يتعلّمه في المدرسة، وما يراه على الشاشة، وما تكافئه عليه جماعة الأصدقاء.
ومن هنا تتسع مسؤولية التعليم لتشمل بناء قدرة الشاب على التفكير المستقل، والتمييز، والتعبير، والتعاون. فإعداده للعمل وكسب الرزق جانب أساسي من تعليمه، وتكتمل هذه المهمة حين يكتشف أيضًا كيف يستخدم معرفته لتحسين الحياة من حوله.
وتتيح خدمة المجتمع مجالًا ملموسًا لهذا التعلّم. حين يشارك الشباب في مساعدة أطفال على القراءة، أو تحسين مساحة مشتركة في الحيّ، فإنهم يختبرون قدرتهم على إحداث الأثر. ويكتشفون أن التعاون يحتاج إلى صبر ومعرفة واحترام، كما تتغيّر علاقتهم أيضًا بالمكان.
وتحتاج هذه المشاركة إلى مؤسسات تأخذها بجدية، وتفتح لها مسارات مستمرة، وتستمع إلى أصحابها بوصفهم شركاء. فالثقة تنمو حين يرى الإنسان أن مساهمته تؤخذ في الاعتبار، وأن الخطأ يمكن تصحيحه، وأن الاختلاف لا يحرمه من حقه في الاحترام.
وللإعلام دور كبير في تهيئة المناخ. فهو يشارك في تشكيل الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه وعن الآخرين، حين تتكرر صور القسوة وحدها، فتبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة. وتقتضي المسؤولية الإعلامية إظهار الأذى ومساءلة مرتكبيه، مع الحفاظ على دقة التوصيف وكرامة الإنسان.
قد يتم إصلاح واجهة محطمة في أيام، أما ترميم الثقة بين الإنسان ومجتمعه فيحتاج إلى عمل أعمق وأطول.
وقبل أن تتّسع دوائر العنف، وتتكرّر مشاهد الشغب من مدينة إلى أخرى، تستحق هذه الأحداث وقفة جادة للتفكر، أي علاقات نبنيها بين المختلفين؟ وما المساحة التي نمنحها للأجيال الشابة لتشارك في صنع مستقبلها؟ إن حماية المجتمعات تبدأ أيضًا من قدرتها على مراجعة التعلم وكيف تصغي إلى أفرادها. ففي داخل كل إنسان طاقة على البناء تحتاج إلى من يراها ويهيئ لها السبل، وكل فرصة نفتحها لهذه الطاقة تسهم في حماية مجتمعاتنا من التصدع.







