هل ستغرق شوارع المملكة هذا الشتاء؟
قال مستشار العمارة والتخطيط المهندس مراد الكلالدة إن طبيعة التكوين الجغرافي لمدينة عمّان، وتوسعها العمراني المتسارع، يفرضان تحديات متزايدة في التعامل مع مياه الأمطار، موضحًا أن نشأة المدينة في محيط وادي عمّان، ثم امتدادها على الجبال والأودية المحيطة، جعلا تصريف المياه جزءًا أساسيًا من معادلة التخطيط الحضري.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن عمّان توسعت انطلاقًا من مركزها التاريخي باتجاه المناطق المرتفعة، مشيرًا إلى أن هذا الامتداد العمراني، إلى جانب طبيعة التضاريس، يزيد من صعوبة التعامل مع الهطولات المطرية، خصوصًا أن المياه تتحرك وفق ميول الأرض والشوارع، ولا تتقيد بالحدود الإدارية للمناطق.
وبيّن الكلالدة أن تاريخ عمّان العمراني شهد محطات تخطيطية مهمة، من بينها إعداد مخطط شمولي أولي عام 1957، بالتزامن مع التحولات السكانية والعمرانية التي شهدتها المملكة، لافتًا إلى أن النمو المتسارع للمدينة خلال العقود اللاحقة زاد الحاجة إلى التخطيط المسبق لشبكات الطرق وتصريف مياه الأمطار.
وأشار إلى أن المساحة التنظيمية لعمّان تبلغ نحو 800 كيلومتر مربع، وأن قرابة 40% منها مبنية، مبينًا أن زيادة المساحات العمرانية تقلل من قدرة الأرض على امتصاص المياه، وترفع حجم الجريان السطحي الذي يتجه نحو الشوارع والمناطق المنخفضة والأودية.
ولفت الكلالدة إلى أن هذه المعطيات تفرض ضرورة مراجعة قدرة شبكات تصريف مياه الأمطار على استيعاب الكميات المتدفقة، خصوصًا أن بعض العبارات الصندوقية وشبكات التصريف أُنشئت وفق معدلات هطول مطري سابقة، الأمر الذي يستدعي تقييمها وتحديثها بما يتناسب مع الظروف الحالية.
الكلالدة: صيانة العبارات لا تكفي من دون رفع قدرتها الاستيعابية
وقال إن أعمال الصيانة الدورية لشبكات تصريف مياه الأمطار ضرورية للحفاظ على كفاءتها، لكنها لا تعالج وحدها التحديات الناجمة عن زيادة الجريان السطحي وتوسع المناطق المبنية.
وأضاف أن الصيانة تعيد الشبكة إلى مستوى كفاءتها التشغيلية الأصلية، في حين يتطلب التعامل مع التغيرات العمرانية والهيدرولوجية تحديث الشبكة ورفع قدرتها الاستيعابية، من خلال توسيع العبارات أو إنشاء منشآت جديدة للتصريف والاحتجاز، وفقًا للدراسات الهندسية واحتياجات كل منطقة.
ولفت الكلالدة إلى أن تحديد الاحتياجات الفعلية لكل منطقة يجب أن يستند إلى دراسة مسارات المياه وأحواض التجميع، وتقدير كميات الجريان السطحي، وفحص قدرة الشبكات القائمة على استيعاب التدفقات خلال فترات الهطول الغزير.
المخطط الشمولي لعمّان.. من إدارة الأزمة إلى التخطيط المسبق
ونبّه الكلالدة إلى أن التعامل مع مخاطر الأمطار يحتاج إلى الانتقال من الاستعداد الموسمي إلى التخطيط الحضري المتكامل، مشيرًا إلى أن نظام التخطيط والتنظيم لأمانة عمّان الكبرى، الذي قال إنه بدأ نفاذه مطلع عام 2026، يتضمن ثلاثة مستويات للتخطيط: مخطط المدينة على المستوى الاستراتيجي، ومخطط المنطقة على المستوى المتوسط، ومخطط الحي على المستوى التفصيلي.
وأوضح أن مخطط المدينة يفترض أن يحدد الأحواض المائية الكبرى، ومناطق مخاطر السيول واتجاهات النمو العمراني، إلى جانب شبكات تصريف مياه الأمطار الرئيسية، بما يوفر أساسًا واضحًا لتوجيه التوسع الحضري وتحديد أولويات الاستثمار في البنية التحتية.
وأضاف الكلالدة أن مخططات المناطق تتولى تحديد شبكات التصريف الفرعية والبؤر الساخنة وأحواض الاحتجاز، فضلًا عن احتياجات تحديث الطرق والتقاطعات، فيما تتناول مخططات الأحياء التفاصيل الدقيقة، مثل ميول الشوارع ومواقع المناهل والمصارف والمساحات النافذة واشتراطات البناء.
وشدد على أهمية الإسراع في إعداد مخطط المدينة، موضحًا أن تأخر إنجازه ينعكس على القدرة على اتخاذ قرارات مترابطة بشأن الطرق والتوسع العمراني وشبكات تصريف المياه.
وأشار الكلالدة إلى أن تحديد مسارات الطرق الدائرية، على سبيل المثال، يؤثر في اتجاهات الحركة وميول الشوارع المرتبطة بها، كما أن قرارات زيادة الكثافات العمرانية في بعض المحاور قد ترفع الضغط على البنية التحتية، بما فيها شبكات تصريف الأمطار، إذا لم تُدرس آثارها وتُعالج ضمن التخطيط الشامل.
الكلالدة: زيادة الكثافات العمرانية تتطلب بنية تحتية مهيأة
وقال إن التوجه نحو تكثيف الاستخدامات العمرانية على محاور النقل العام، ومنها شارع الملكة رانيا العبد الله، المعروف بشارع الجامعة الأردنية، يتطلب دراسة متكاملة لقدرة البنية التحتية على استيعاب الزيادة المتوقعة في الكثافة السكانية والأنشطة الحضرية.
وأضاف الكلالدة أن التخطيط المرتبط بالنقل العام، أو ما يُعرف بالتنمية الموجهة نحو النقل، يمكن أن يسهم في تحسين استخدام الأراضي حول مسارات النقل، لكنه يحتاج إلى تنسيق بين قرارات التنظيم العمراني وشبكات الطرق والمرافق العامة وتصريف مياه الأمطار.
وأوضح أن زيادة الكثافة العمرانية لا ينبغي أن تُدرس بمعزل عن قدرة الشوارع وشبكات الخدمات على استيعاب آثارها، مشيرًا إلى أن التخطيط المسبق يتيح تحديد الاحتياجات الهندسية قبل توسع البناء، بدلًا من معالجة الاختناقات بعد ظهورها.
وبيّن الكلالدة أن الحلول الهندسية وحدها لا تكفي إذا لم تستند إلى فلسفة تخطيطية واضحة تربط بين طبيعة الأرض واتجاهات النمو العمراني وشبكات التصريف، مستطردًا أن المخططات الاستراتيجية والمتوسطة والتفصيلية يجب أن تعمل ضمن إطار واحد يضمن تكامل القرارات.
مخاطر الأمطار لا تقتصر على عمّان
ودعا الكلالدة إلى توسيع الاهتمام بملف تصريف مياه الأمطار ليشمل البلديات خارج العاصمة، مشيرًا إلى أن تحديات مماثلة تظهر في مناطق أخرى، في وقت قد تكون فيه الإمكانات المالية والفنية المتاحة لبعض البلديات أقل من احتياجاتها الفعلية.
وأضاف أن بعض الطرق في هذه المناطق تُنفذ بما يتوافق مع المسار الأفقي الطبيعي للأرض وميولها، وهو ما قد يحد من كفاءة التصريف إذا لم تُراعَ المعطيات الطبوغرافية والهيدرولوجية بصورة كافية أثناء التصميم.
وأشار إلى أن إعادة تصميم الطرق القائمة قد تتطلب استثمارات كبيرة، خصوصًا عندما تكون الحاجة إلى معالجة ميول الطرق أو تعديل مناسيبها وتحقيق التوازن بين أعمال القطع والردم، مؤكدًا أهمية مراعاة هذه الجوانب منذ المراحل الأولى للتصميم.
وشدد الكلالدة على ضرورة توزيع الاهتمام والموارد على مختلف مناطق المملكة، وعدم حصر النقاش في العاصمة، لأن مخاطر تجمع المياه والسيول ترتبط بطبيعة الموقع وكفاءة البنية التحتية، وليس بحجم المدينة وحده.
وخلص الكلالدة إلى أن الحد من مخاطر الأمطار يبدأ من التخطيط الحضري السليم، وتحديث شبكات التصريف، وربط قرارات التوسع العمراني بقدرة البنية التحتية، إلى جانب رفع جاهزية البلديات وتعزيز قدرتها على تنفيذ الحلول الهندسية المناسبة، بما يحد من الاختناقات ويعزز سلامة الطرق والمناطق السكنية خلال الموسم المطري.







