السيناريو المظلم الذي يتهرب منه الجميع بات وشيكًا
قال الباحث في مركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول إن الحرب على إيران لا يمكن اختزالها في البرنامج النووي الإيراني أو في طبيعة الأسلحة التي تمتلكها طهران، معتبرًا أن جوهر المواجهة يرتبط بصراع أوسع حول الهيمنة وموازين القوى في الشرق الأوسط.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الولايات المتحدة، في تقديره، لا تعارض امتلاك إيران قدرات عسكرية أو نووية لمجرد امتلاكها هذه القدرات، فهي تنظر إلى إيران بوصفها صاحبة مشروع للهيمنة الإقليمية، مشيرًا إلى أن دول الخليج تلتقي مع واشنطن في معارضة هذا المشروع، إلا أن ذلك لا يعني أن المنطقة العربية تمتلك مصلحة في استمرار الحرب أو تحولها إلى صراع مفتوح بلا نهاية.
وبيّن الزغول أن العقدة بين الولايات المتحدة وإيران أيديولوجية قبل أن تكون نووية، مستشهدًا بالخطاب المتبادل بين الطرفين على مدى عقود، حين وصفت الولايات المتحدة إيران ضمن "محور الشر"، في حين وصفت إيران الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر»، معتبرًا أن هذا الإرث الأيديولوجي جعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى أن الصراع الحالي لا يدور حول إيران وحدها، فهو يرتبط بموقعها في الخريطة الدولية وموازين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، متسائلًا عن موقع إيران في إطار التنافس الأميركي - الصيني، وكذلك عن موقع دول الخليج وإسرائيل ومصر ضمن هذه الخريطة الجديدة.
وقال الزغول إن البرنامج النووي والصواريخ وغيرها من الملفات تمثل، في قراءته، أدوات ووسائل يجري التفاوض والصراع حولها، بينما يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بشكل النظام الإقليمي وموازين القوى التي ستتشكل في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
ونوّه إلى أن إيران ستبقى موجودة في المنطقة مهما تعددت الحروب، كما ستبقى الدول العربية موجودة، ولذلك فإن المصلحة المشتركة، وفق تقديره، تقتضي الوصول إلى تسوية تنهي حالة الحرب المفتوحة، بدلًا من استمرار المنطقة في دائرة من المواجهات المتكررة.
واستطرد الزغول قائلًا إن المطالب المطروحة من الجانبين، الأميركي والإيراني، تتضمن، بحسب تقديره، نقاطًا يصعب تحقيقها بصيغتها الحالية، محذرًا من أن استمرار الخطاب المتشدد من الطرفين قد يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى حل سياسي.
وأشار إلى أن بعض الخطابات الأميركية الحادة، بما في ذلك الحديث عن "إبادة الحضارة الإيرانية" أو إعادة إيران إلى "عصر الحجر"، يمكن أن تؤدي إلى نتيجة عكسية، لأنها تدفع حتى القوى المعارضة للنظام داخل إيران إلى الاصطفاف معه في مواجهة ما تعتبره تهديدًا خارجيًا يستهدف البلاد والمجتمع الإيراني ككل.
ولفت الزغول إلى أن الخطاب الأميركي، وفق قراءته، أسهم في توحيد شرائح من المعارضة الإيرانية مع النظام بدلًا من فصلها عنه، معتبرًا أن التعامل مع المجتمع الإيراني بوصفه جزءًا من النظام لا يخدم هدف إحداث تغيير سياسي داخل إيران.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، قال الزغول إن الجانب الإيراني فقد، بحسب تقديره، جزءًا مهمًا من قدرته على استخدام المضيق كورقة ضغط، معتبرًا أن بعض الأصوات داخل إيران كانت قد حذرت في وقت سابق من ضياع هذه الفرصة، ودعت إلى استثمارها قبل أن تتحول إلى ورقة غير فاعلة.
وأضاف أن المشكلة تكمن أيضًا في وجود تيارات متشددة على جانبي الصراع، تتعامل مع المواجهة بمنطق صفري، بحيث يصبح التراجع أو تقديم التنازلات بمثابة هزيمة، وهو ما يحد من فرص الوصول إلى حلول وسط.
وذكر الزغول أن هناك مصالح مشتركة بين الدول العربية والولايات المتحدة في مواجهة مشروع الهيمنة الإيرانية، إلا أنه لا توجد، في المقابل، مصلحة عربية في استمرار حرب لا تنتهي، أو في بقاء المنطقة عالقة في منطقة رمادية بين الحرب والسلام.
وقال الزغول إن الضغط العسكري والاقتصادي يفترض أن تكون له غاية سياسية، متسائلًا عن الهدف النهائي من العقوبات والضغوط العسكرية إذا لم يكن الوصول إلى استجابة سياسية من الطرف الإيراني، موضحًا أن الضغط الاقتصادي قد يكون فعالًا في التعامل مع الشركات والمؤسسات الاقتصادية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها عندما يُمارس على دولة ذات بنية سياسية وعسكرية وأيديولوجية معقدة.
وأشار إلى أن إيران، وفق قراءته، تنظر إلى المواجهة باعتبارها صراع بقاء، وهو ما يجعل استمرار الضغط وحده غير كافٍ لإجبارها على تقديم الاستجابة السياسية المطلوبة.
وأضاف الزغول أن استمرار الحرب وتدمير المدن والمنشآت لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء قدرة إيران على القتال، مشيرًا إلى أن الإيرانيين، بحسب تقديره، يضعون سيناريوهات مسبقة لما بعد الضربات، ويعملون على إعداد خطط للتعامل مع مراحل متقدمة من الحرب، بما في ذلك سيناريوهات استهداف المنشآت والمدن المرتبطة بالقدرات الصاروخية.
وشدد على أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحروب التي تنتهي بدمار واسع من دون إنتاج تسوية سياسية، معتبرًا أن التجربة الإقليمية، وفي مقدمتها ما جرى في غزة، تظهر مخاطر استمرار المسار العسكري من دون تصور واضح للمرحلة التي تلي الحرب.
ولفت إلى أن المخرج، في تقديره، لا يكمن فقط في استمرار الضغط على إيران، وإنما في إطلاق مبادرة سياسية أوسع تقوم على الجلوس مع الصين إلى طاولة الحوار، معتبرًا أن طبيعة الصراع الحالي تتجاوز البعد الإيراني–الأميركي المباشر.
وأوضح الزغول أن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 تمثل مثالًا على أن الصراع الذي يبدو إقليميًا قد يكون في جوهره مرتبطًا بمواجهة بين القوى الكبرى، مشيرًا إلى أن جوهر الصراع الحالي، من وجهة نظره، يرتبط بالتنافس بين الولايات المتحدة والصين.
وخلص إلى أن معالجة الأزمة تتطلب، وفق رؤيته، حوارًا مباشرًا بين واشنطن وبكين، معتبرًا أن إيران ليست المشكلة الوحيدة في المعادلة، وأن الملفات المرتبطة بالسعودية ودول الخليج وغيرها تحمل أبعادًا إقليمية، بينما يبقى التنافس الأميركي - الصيني هو المستوى الأوسع الذي ينبغي التعامل معه للوصول إلى تسوية مستدامة.







