رحلة علم سوريا عبر قرن من التحولات السياسية
تحمل الأعلام في تاريخ الدول أكثر من مجرد ألوان وأشكال، فهي عادة ما ترتبط بلحظات تأسيس أو انكسار أو تحرر تبقى محفورة في الذاكرة الجمعية. ومع رفع سوريا علمها الجديد في المرحلة الأخيرة، وهو نفسه العلم الذي رفعته المعارضة السورية منذ عام 2011، عاد النقاش حول معاني علم سوريا الجديد ليأخذ حيزاً واسعاً بين من يريد فهم خلفياته التاريخية بعيداً عن الروايات المتضاربة التي رافقت ظهوره خلال السنوات الماضية.
نشأة العلم في مطلع عهد الجمهورية
يعود هذا العلم، الذي يُعرف بـ"علم الاستقلال"، إلى عام 1932، وهو العام الذي انتُخب فيه محمد علي بك العابد رئيساً للجمهورية. وقد نصت المادة الرابعة من دستور عام 1928 على تفاصيل تصميمه، إذ يتكون من ثلاثة أقسام متوازية بالألوان الأخضر والأبيض والأسود، تتوسطها ثلاثة كواكب حمراء ذات خمسة أشعة.
أما الألوان نفسها فلم تكن ابتكاراً جديداً، بل مأخوذة من علم الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، وكل لون منها يحمل دلالة تاريخية محددة:
• اللون الأخضر نسبة إلى الخلفاء الراشدين.
• اللون الأبيض رمزاً للدولة الأموية.
• اللون الأسود إشارة إلى الدولة العباسية.
وبحسب الاجتهادات المتداولة، لا النص الرسمي، فإن الكواكب أو النجوم الثلاث كانت ترمز إلى ثورات وطنية ضد الانتداب الفرنسي، أبرزها ثورة الشمال بقيادة إبراهيم هنانو والثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، مع تباين في تفسير النجمة الثالثة بين من يربطها بثورة أنطاكيا بقيادة صبحي بركات أو بثورة الساحل بقيادة الشيخ صالح العلي. وفي جميع الروايات، كانت هذه النجوم تعبيراً عن الوحدة الوطنية لا عن الانقسام.
محطات العلم من الاستقلال إلى جمهورية الوحدة
إذا عدنا بالزمن إلى اخبار سوريا القديمة، فقد رفع الرئيس شكري بك القوتلي هذا العلم في سماء سوريا يوم جلاء القوات الفرنسية في 17 أبريل نيسان 1946، ثم رفعه الجيش السوري خلال حرب عام 1948. ورغم موجة الانقلابات العسكرية بين عامي 1949 و1951، لم يُقدم أي من القادة العسكريين على تغيير هذا العلم، وبقي رمزاً ثابتاً للدولة حتى وصول الرئيس جمال عبد الناصر إلى الحكم عام 1958.
مع قيام الوحدة بين سوريا ومصر، استُبدل العلم بآخر مستوحى من الألوان ذاتها، لكنه حمل نجمتين خضراوين ترمزان إلى الدولتين. وحين انهارت جمهورية الوحدة عام 1961، عاد السوريون إلى علمهم القديم، وبقي معتمداً حتى الأشهر الأولى من حكم حزب البعث، إلى أن أُنزل رسمياً في الأول من مايو أيار 1963، حين أعاد مجلس قيادة الثورة علم الوحدة السورية المصرية بعد إضافة نجمة ثالثة خضراء في وسطه رمزاً للعراق.
العلم بين التهميش والعودة
من المفارقات التي رافقت علم الاستقلال أنه ظل حاضراً بقوة في عهد الرئيس حافظ الأسد نفسه، إذ ألقى أمامه تحيته العسكرية يوم تخرجه من الكلية الحربية في حمص عام 1955، وعاد وحيّاه بعد تعيينه آمراً لسلاح الطيران في مارس آذار 1963، وكذلك في احتفال عيد الجلاء في أبريل نيسان من العام نفسه. وقد ظهر هذا العلم بانتظام في الكتب والمسلسلات والطوابع البريدية التذكارية خلال احتفالات عيد الجلاء السنوية.
غير أن السنوات التي تلت عام 2011 شهدت تحولاً حاداً في التعامل مع هذا الرمز، إذ روّج إعلام رسمي رواية تربط النجوم الثلاث بدويلات طائفية أقيمت في زمن الانتداب الفرنسي، وهي رواية لم تستند إلى نص الدستور أو إلى الدلالة التاريخية المتعارف عليها لتلك النجوم. وفي المقابل، تكرّس العلم الذي اعتُمد منذ عام 1980 كرمز وحيد للدولة، وفُرض رسمه على واجهات المحال التجارية ورفعه في الشوارع بشكل واسع.
تراجع مكانة العلم في عهد البعث
من الملاحظات التي سجلها متابعون لتاريخ سوريا السياسي أن العلم الذي اعتمد منذ عام 1980 وُضع، طوال عقود، في مرتبة أدنى من صورة رئيس الجمهورية وعلم حزب البعث نفسه. فلم تصدر تشريعات واضحة تنظم كيفية رفع العلم أو مواعيد ذلك، ولم تُفرض أي عقوبة على من يرفعه ممزقاً أو مهترئاً أو متسخاً في الدوائر الحكومية، أو من يرسمه بطريقة عشوائية على الجدران والأزقة والسيارات ومحارس الجنود.
كما لم يصدر قانون يمنع رفع العلم السوري إلى جانب أعلام دول أو جهات أخرى، وهو ما تجسد بوضوح في السنوات الأخيرة حين أصبح يُرفع في مناسبات عدة إلى جانب أعلام روسيا وإيران وحزب الله. ونتيجة لهذا التساهل، نشأت أجيال كاملة وهي تستخف بعلم الدولة، لأن الدولة نفسها لم تُعامله بجدية، وحاولت فرضه على الناس من دون أي عاطفة حقيقية أو تفسير تاريخي أو مضمون وطني صادق يشرح دلالته.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، سعى النظام آنذاك إلى تكريس هذا العلم بوصفه رمزاً وطنياً جامعاً لأنصاره، في مقابل العلم الذي رفعته المعارضة. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة التاريخية أن كلا العلمين جزء من مسار سوريا الحديث، وأن التعامل معهما ينبغي أن يقوم على المعرفة لا على التحقير المتبادل الذي ساد لسنوات طويلة.
في الختام
يبقى العلم في نهاية المطاف مرآة لتحولات الدولة وتاريخها أكثر من كونه قطعة قماش ثابتة المعنى، وقصة علم سوريا عبر عقود من الاستقلال والوحدة والانقلابات تعكس هذا التبدل بوضوح. فهل تكفي معرفة الجذور التاريخية لرمز وطني لتجاوز الانقسامات حوله، أم أن مصالحة المجتمعات مع رموزها تحتاج إلى وقت أطول من مجرد تغيير قماشة العلم؟







