"أوراق إيران تتساقط"... السبايلة يرصد تحوّلًا خطيرًا في مواجهة طهران
قال الخبير الاستراتيجي، الزميل غير المقيم في معهد ستيمسون للأبحاث في واشنطن، الدكتور عامر السبايلة إن العقوبات والإجراءات المتخذة بحق إيران تدخل مرحلة جديدة تتجاوز الضغوط الاقتصادية التقليدية، لتصل إلى ما يمكن وصفه بـ"تعميق العزلة" على المستويين اللوجستي والبشري، الأمر الذي قد يضع طهران أمام واقع لم تختبره بهذا الشكل من قبل.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن إيران اعتادت، خلال السنوات الماضية، التعامل مع العقوبات المالية والنفطية والحصار البحري من خلال صيغ تحايلية متعددة، سواء عبر شركات وطرق تجارية بديلة أو معابر برية ومسارات مختلفة، إلا أن الانتقال إلى تضييق الحركة اللوجستية والبشرية يضيف بُعدًا جديدًا إلى الضغوط المفروضة عليها.
وبيّن السبايلة أن تأثير هذه الإجراءات لا يمكن مقارنته بصورة مباشرة بالحصار البحري أو العقوبات الاقتصادية، إلا أنها قد تشكل طبقة إضافية من العزلة، خصوصًا إذا استمرت الولايات المتحدة في توسيع نطاق العقوبات لتشمل منافذ ومسارات تستخدمها إيران لتخفيف آثار القيود المفروضة عليها.
ولفت إلى أن الحديث عن وجود مطارات قادرة على استقبال رحلات إيرانية، مثل مطار النجف وبعض مطارات إقليم كردستان، لا يعني بالضرورة امتلاك إيران قدرة فعلية على كسر حالة العزلة المفروضة عليها، مبينًا أن هذه المنافذ قد توفر هامشًا محدودًا للمناورة، لكنها لا تعوّض الدور الذي تؤديه المطارات الدولية الكبرى المرتبطة بشبكة حركة الطيران العالمية.
ونوّه السبايلة إلى أن الأمر ذاته ينطبق على بعض الشركات والمصافي التي تواصل التعامل مع النفط الإيراني رغم العقوبات، مشيرًا إلى أن وجود قنوات تجارية محلية أو محدودة لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوز الحصار بصورة شاملة، وإنما يوفر مساحات محدودة للحركة والمناورة.
العقوبات تقلص هامش المناورة
وقال إن اللقاءات والاتصالات السياسية بين الجانب الأميركي والإيراني، وما يرافقها من تصريحات إيجابية حول إمكانية التوصل إلى تفاهمات، ينبغي قراءتها في سياق أوسع، خصوصًا أنها تأتي بالتزامن مع تصاعد الضغوط والعقوبات على طهران.
وأضاف أن مساحة المناورة الإيرانية تتقلص بصورة متزايدة، بغض النظر عن الصياغات التفاؤلية التي ترافق الحديث عن المفاوضات، مشيرًا إلى أن العامل الحاسم يبقى في طبيعة الوقائع التي تتشكل على الأرض، وفي مدى قدرة إيران على الحفاظ على أدواتها الإقليمية والاقتصادية.
وأشار إلى أن استمرار العقوبات، بالتوازي مع الضغوط على حلفاء إيران ووكلائها في المنطقة، يعمّق الأزمة ويقلل تدريجيًا من الخيارات المتاحة أمام طهران.
"هرمز" و"الوكلاء"... أوراق تتراجع
وبيّن السبايلة أن الشروط الإيرانية، وفق ما يطرح في سياق المفاوضات، تشمل إنهاء الحصار البحري الأميركي ورفع العقوبات واستعادة الأصول المجمدة، إلا أن السؤال الأساسي يتمثل في قدرة طهران على فرض هذه الشروط في ظل تغير موازين الأوراق التي تمتلكها.
وأضاف أن ورقة مضيق هرمز لم تعد بالقوة نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة، فيما تراجعت قدرة بعض حلفاء إيران في المنطقة على التأثير في معادلة التصعيد الإقليمي، إلى جانب الضغوط المتزايدة في العراق.
وأشار إلى أن هذه التطورات تعني، وفق قراءته، أن إيران تواجه استحقاقًا يتمثل في قدرتها على إدارة أزمتها الداخلية في ظل تقلص أدواتها الخارجية، خصوصًا أن جزءًا من قوتها التفاوضية كان يستند إلى امتلاك أوراق إقليمية يمكن استخدامها في مواجهة الضغوط الأميركية.
واستطرد السبايلة أن المعضلة تتعلق بقدرة إيران على المناورة من جانب، وبمن يمتلك القدرة داخل النظام الإيراني على اتخاذ قرار سياسي بشأن أي تفاهمات محتملة من جانبٍ آخر، الأمر الذي يعيد النقاش إلى ما وصفه بـ"أزمة الحكم" في الداخل الإيراني.
مناورة سياسية في مواجهة ضغط متصاعد
ولفت السبايلة إلى أن المشهد الحالي يتضمن، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والأمنية، صراعًا سياسيًا على صورة تأثير العقوبات وفاعليتها؛ إذ تحاول الإدارة الأميركية تقديم العقوبات باعتبارها أداة أدت إلى تعميق الأزمة داخل إيران، فيما تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الاستمرار والمناورة وتجاوز الضغوط.
وذكر أن هذه المناورة لا تلغي، في تقديره، حقيقة الضغوط المتراكمة، معتبرًا أن استمرار العقوبات وانعكاساتها الداخلية قد يضعان إيران أمام أزمة أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.
وخلص السبايلة إلى أن المعادلة الإيرانية باتت تتحرك ضمن هامش أضيق من السابق، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية، وتراجع بعض الأوراق الإقليمية، وتشدد الموقف الأميركي، فيما يبقى السؤال الأهم متعلقًا بقدرة النظام الإيراني على إدارة هذه الضغوط داخليًا وترجمتها إلى موقف سياسي قادر على التعامل مع الاستحقاقات المقبلة.







