اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: الهاشميون (3): الوسطية والتكافل نهج هاشمي وفلسفة مجتمع

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


حين نتحدث عن الوسطية في التجربة الأردنية الهاشمية، فإننا لا نتحدث عن موقف ديني يقع في منتصف المسافة بين التشدد والتساهل فحسب، ولا عن خطاب سياسي استدعته مواجهة التطرف، بل عن فلسفة في بناء الدولة والمجتمع، فلسفة تقوم على التوازن وقبول الاختلاف والتعايش ورفض الغلو والإقصاء، فالوسطية في مفهومها القرآني ليست منطقة رمادية بين الحق والباطل، وإنما هي حالة من الاتزان والرشد، كما قال تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً"، فإنها تتجاوز التدين الفردي لتصبح منهجاً في التفكير والاجتماع والسياسة.
 

- فالوسطية في التدين تعني تديناً بلا إفراط ولا تفريط، يحافظ على الثوابت، ويتعامل مع المتغيرات دون أن يجعل التجديد قطيعة مع الأصول.
- والوسطية في الفكر والمنطق تعني ألا يرى الإنسان رأيه مقدساً لا يقبل الخطأ، كما لا يقلل من اجتهاد الآخرين وإبداء آرائهم في المسائل بحسب أصول الفهم والاستنباط، وهذه الوسطية بها لا يتحول الاختلاف الفكري إلى خصومة وإقصاء.
- والوسطية في التعايش تعني القدرة على العيش مع مختلف الثقافات والأديان والمذاهب ضمن هوية وطنية جامعة، دون أن يطلب أحد من الآخر أن يتخلى عن خصوصيته حتى يصبح شريكاً في الوطن، ولقد استطاع المجتمع الأردني، رغم تنوع مكوناته وما استقبله عبر تاريخه من موجات هجرة ولجوء، أن يستوعب هذا التنوع ضمن مفهوم المواطنة والانتماء.
-والوسطية كذلك في القيادة وممارسة السلطة، فلا إجحاف في الحقوق، ولا توظيف للسلطة في غير وجه حق، ولا غلو في استعمال القوة، فالسلطة في فلسفة الحكم الرشيد ليست امتيازاً، وإنما أمانة ومسؤولية.
ولعل رسالة عمان التي أطلقها الملك عبدالله الثاني عام 2004م واحدة من أوضح الشواهد على تحويل الوسطية من شعار إلى مشروع فكري، إذ أكدت على الاعتراف بالمذاهب الإسلامية المعتبرة، ورفض التكفير، وضبط أهلية الإفتاء.
لكن المجتمع لا يتماسك بالفكر المتزن وحده، وهنا أرى علاقة عميقة بين الوسطية والتكافل قد لا ننتبه إليها، فالوسطية تحمي المجتمع من الانقسام الفكري، وتقول للمختلف لك مكان بيننا، والتكافل يحميه من الانقسام الاجتماعي، ويقول للمحتاج لست وحدك.
ولعل ما عبر عنه مؤخراً مدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسنى حاتوقاي وهو أبرز رجالات الدولة، في بيت عزاء لأسرة فقدت ابنها من مكلفي خدمى العلم، في سياق إنساني، يعد شاهداً معاصراً على هذا المعنى، حيث تحدث عن التكافل باعتباره "نمطاً مسلكياً"، لدى الأردنيين، زرع نهجه الهاشميون في المجتمع، وربطه بما يحمله المجتمع الأردني وعشائره من قيم وعادات وأخلاق.
ومن هنا يمكن أن نفهم “ النخوة الأردنية" بوصفها ترجمة اجتماعية لمفهوم التكافل، وليست مجرد اندفاع عاطفي عند الأزمات، كما حملت الدولة والقيادة الهاشمية عبر العقود مسؤولية اجتماعية تجاه الفئات المحتاجة والأسر العفيفة، فمن “ طرود الخير الهاشمية" عام 2004م، إلى مبادرة" مساكن الأسر العفيفة" عام 2005م، وصولاً إلى دعم عشرات الآلاف من الأسر والجمعيات ومؤسسات رعاية الأيتام، والمسنين وذوي الإعاقة، والمشروعات الإنتاجية، بحيث شكل هذا نهجاً مجتمعياً لا شأناً فردياً، ولعل العلاقة الأعمق التي تستحق التأمل هي أن الهاشميين لم ينظروا إلى التكافل باعتباره إعانة تنتهي بتقديم المال أو الطعام، وإنما اتجهت المبادرات الملكية مع الزمن نحو مأسسة العمل الاجتماعي، وهنا تلتقي الوسطية والتكافل في مقصد واحد وهو حماية التماسك المجتمعي.
ولهذا لا يكفي أن نصف الأردن أنه بلد الوسطية والاعتدال إذا لم تتحول الوسطية إلى ممارسة في المسجد والمدرسة والجامعة والإعلام والسياسة، كما لا يكفي أن نتحدث عن التكافل إذا بقي المحتاج على هامش المجتمع، فالوسطية عمودها الفكري العدل، حتى لا تتحول إلى شعار، والتكافل عموده الفقري الكرامة، حتى لا يتحول إلى منّة.
ومن هنا فإن الوسطية والتكافل ليسا مفهومين منفصلين في التجربة الأردينة، بل وجهان لعملة واحدة تمثل فلسفة المجتمع، أحدهما يحمي حق الإنسان أن يكون مختلفاً، والآخر يحمي حقه في أن يكون مصون الكرامة، وهذا في تقديري إحدى معادلات النهج الهاشمي والمجتمع الأردني، فالوسطية تجمع المختلفين، والتكافل يسند المحتاجين، وبينهما تبنى وتتشكل فلسفة المجتمع المتحضر.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية