بعد قرار فرنسي لافت.. هل يحتاج الأردن إلى تشريع جديد لحماية الأطفال من مخاطر «السوشال ميديا»
أعاد قرار المجلس الدستوري الفرنسي بعدم دستورية الحظر العام على استخدام الأطفال دون سن الخامسة عشرة لشبكات التواصل الاجتماعي، فتح النقاش حول مدى حاجة الأردن إلى تطوير تشريعاته الخاصة بحماية الأطفال في البيئة الرقمية، بما يوازن بين حمايتهم من المخاطر الإلكترونية وصون حقوقهم ودور الأسرة في توجيههم.
ويرى أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية، الدكتور ليث نصراوين، أن أهمية التجربة الفرنسية لا تكمن في رفض حماية الأطفال من مخاطر شبكات التواصل، وإنما في تحديد الحدود الدستورية للوسائل التي يمكن للمشرع استخدامها لتحقيق هذه الحماية.
وكان المجلس الدستوري الفرنسي قد اعتبر أن فرض حظر عام على استخدام من هم دون الخامسة عشرة لشبكات التواصل الاجتماعي يتعارض مع الضمانات المرتبطة بحرية الاتصال والتعبير، مؤكداً في الوقت ذاته أن حماية القاصرين من الإدمان والمحتوى الإباحي والتنمر والاحتيال تمثل أهدافاً مشروعة يمكن للدولة التدخل لتحقيقها.
إلا أن المجلس رأى أن القيود التي فرضها القانون لم تكن متناسبة مع تلك الأهداف، لكونها شملت مختلف المنصات بصورة عامة، ولم تميز بصورة كافية بين طبيعة الخدمات الإلكترونية ودرجة المخاطر التي تنطوي عليها، كما أخضعت جميع الأطفال دون الخامسة عشرة للقيود ذاتها دون مراعاة اختلاف أعمارهم ومستويات نضجهم.
ومن أبرز الملاحظات التي سجلها المجلس الفرنسي، بحسب نصراوين، تراجع دور الأسرة في القانون، إذ لم يمنح الوالدين أو الممثل القانوني إمكانية السماح للقاصر باستخدام بعض الخدمات الإلكترونية تحت إشرافهم ومتابعتهم، وهو ما أثار إشكالية تتعلق بالتوازن بين مسؤولية الدولة في حماية الطفل ودور الأسرة في التربية والتوجيه.
كما برزت مسألة حماية الخصوصية، إذ إن تطبيق حظر كهذا يتطلب التحقق من أعمار المستخدمين، بما في ذلك البالغون، الأمر الذي يستدعي وضع ضمانات واضحة بشأن آليات التحقق من العمر والبيانات الشخصية التي يمكن جمعها ومعالجتها.
أما في الأردن، فتبدو الحاجة قائمة إلى الانتقال من المعالجة الجزائية للمخاطر الرقمية إلى تعزيز الحماية الوقائية للأطفال.
ويشير نصراوين إلى أن التشريعات الأردنية تتضمن بالفعل مجموعة من القواعد التي يمكن البناء عليها في هذا المجال، وفي مقدمتها قانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022، الذي كرس للطفل حقه في حرية الرأي والتعبير بما يتناسب مع سنه ودرجة نضجه، وحمى حياته الخاصة، وأكد حقوق وواجبات الوالدين في التربية والتوجيه.
كما تتضمن التشريعات الأردنية أحكاماً لحماية الأطفال من المحتوى الإباحي أو المسيء أو الاستغلالي، ومن الجرائم الإلكترونية، إلى جانب ما يوفره قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وقانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023 من ضمانات وتشريعات ذات صلة.
لكن هذه المنظومة، وفق رؤية نصراوين، لا تزال بحاجة إلى تطوير لتتعامل بصورة أكثر مباشرة وشمولاً مع طبيعة شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من التشريعات الحالية يركز على تجريم الاعتداء أو مواجهة المحتوى الضار بعد وقوع الضرر، بينما تفرض البيئة الرقمية الحديثة تعزيز التدابير الوقائية.
ومن أبرز المقترحات التي يطرحها هذا التوجه، وضع تنظيم متدرج لا يقوم على الحظر الشامل، وإنما يراعي سن الطفل وطبيعة المنصة ودرجة المخاطر التي تفرضها، إلى جانب وضع ضوابط للتحقق من العمر، وتعزيز خصوصية حسابات الأطفال، والحد من تعرضهم للمحتوى الضار الذي قد تدفع به الخوارزميات.
وتطرح التجربة الفرنسية بذلك سؤالاً مهماً أمام المشرع الأردني: كيف يمكن حماية الطفل من مخاطر العالم الرقمي دون حرمانه من حقوقه في الوصول إلى المعرفة والتواصل والتعبير؟
وبحسب نصراوين، فإن الحل لا يكمن في عزل الطفل عن الإنترنت، وإنما في بناء إطار قانوني يحقق التوازن بين حمايته وبين الاعتراف به كصاحب حقوق في البيئة الرقمية، مع الحفاظ على دور الأسرة وفرض مسؤوليات واضحة على الشركات المشغلة لمنصات التواصل الاجتماعي.
وتخلص الرؤية إلى أن التحدي التشريعي أمام الأردن لا يتمثل في الاختيار بين «الحظر» و«الإباحة»، بل في إيجاد تنظيم ذكي ومتدرج ووقائي يجعل حماية الطفل مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمنصات الرقمية، ويضمن في الوقت ذاته عدم المساس غير المبرر بحقوقه وحرياته.







