الشرايري يكتب: من الصين إلى اليرموك: ماذا نتعلم من تجربة التحديث الصينية
الأستاذ الدكتور مالك أحمد الشرايري - رئيس جامعة اليرموك
في توقيت تتجه فيه العلاقات الأردنية الصينية إلى مرحلة جديدة، تبدو الجامعات أمام فرصة تاريخية لتحويل الصداقة بين البلدين إلى شراكات معرفية وبحثية وابتكارية تصنع المستقبل
تأتي زيارة قائدنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية في توقيت بالغ الأهمية، ليس فقط بالنسبة للعلاقات الأردنية الصينية، وإنما بالنسبة للأردن وهو يمضي في مشروع التحديث الاقتصادي وبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على استيعاب التحولات العالمية.
فالزيارة الملكية الحالية تؤكد أن العلاقة بين الأردن والصين لم تعد مجرد علاقة صداقة تاريخية وتعاون سياسي واقتصادي، وإنما باتت تتجه بصورة متزايدة نحو شراكات أوسع في الاستثمار والتكنولوجيا والصناعة والابتكار ومجالات الاقتصاد الجديد. وتأتي لقاءات جلالة الملك مع المسؤولين والرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الصينية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والروبوتات، لتؤكد الرغبة المشتركة في الانتقال بهذه العلاقة إلى مستويات أكثر عمقًا واتساعًا.
وأعتقد أن الفرصة عظيمة للجامعات الأردنية لأن تكون جزءًا أساسيًا من هذه المرحلة الجديدة. فالاقتصاد الحديث لا يُبنى بالاستثمار ورأس المال والبنية التحتية وحدها؛ وإنما يُبنى قبل ذلك وبعده بالإنسان، والمعرفة، والبحث العلمي، والابتكار، والمهارات، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
ومن هذا المنطلق، جاءت الزيارة التي نفذتها جامعة اليرموك تموز الماضي إلى جمهورية الصين الشعبية، وتحديداً بعد زيارة ثرية قام بها سعادة السفير الصيني في عمان السيد قوه وي الى جامعة اليرموك، وبدعوة كريمة من الملحقية الاقتصادية والتجارية لجمهورية الصين الشعبية لدى الأردن، وبتنظيم من أكاديمية خبراء التجارة الدولية (AIBO) في بكين.
وكنت قد شاركت خلال الزيارة، برفقة وفد من كلية الأعمال في الجامعة، في أعمال ورشة العمل حول "العمل المشترك للتحديث"، كما شاركنا في الدورة الثانية والثلاثين لمعرض لانجو الصيني للتجارة والاستثمار، والتقينا مسؤولين وصناع سياسات وقادة أعمال وبحث علمي وتطبيقي وممثلين عن القطاع الخاص والصناعة.
لكن ما عدت به من الصين لم يكن فقط مجموعة من العلاقات والاتفاقيات المحتملة، بل كان بالدرجة الأولى مجموعة من الأسئلة حول معنى التنمية، وكيف يمكن لدولة بحجم الصين أن تتحول خلال عقود قليلة إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية في العالم.
خمسة مبادئ للتحديث الصيني
أحد أكثر الجوانب التي استوقفتني في التجربة الصينية هو أن الصين لا تنظر إلى التحديث باعتباره مجرد نمو في الناتج المحلي أو توسع في الصناعة، وإنما تطرح مفهومًا متكاملًا لما تسميه "التحديث الصيني". وتقوم فلسفة هذا التحديث على خمسة مبادئ رئيسية:
أولًا: تحديث يقوم على قاعدة سكانية هائلة.
أي أن التحديث في الصين ليس تحديثًا لفئة محدودة من المجتمع أو لمنطقة بعينها، وإنما محاولة لإحداث تحول شامل في حياة أكثر من مليار وأربعمائة مليون إنسان.
ثانيًا: تحديث يقوم على الرخاء المشترك.
أي أن التنمية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الاقتصاد، وإنما بمدى اتساع دائرة المستفيدين من ثمار التنمية، وتحسين مستوى المعيشة والخدمات والفرص.
ثالثًا: تحديث يقوم على التقدم المادي والثقافي والأخلاقي.
فالاقتصاد والتكنولوجيا، في التصور الصيني، لا ينفصلان عن التعليم والثقافة وبناء الإنسان ومنظومته الأخلاقية.
رابعًا: تحديث يقوم على الانسجام بين الإنسان والطبيعة.
وهو مبدأ وجدته حاضرًا بقوة في العديد من التجارب التي اطلعنا عليها، من مكافحة التصحر واستعادة الأراضي المتدهورة، إلى الطاقة النظيفة والتحول الأخضر.
خامسًا: تحديث يقوم على التنمية السلمية.
أي السعي إلى التنمية والتقدم من خلال العلاقات المبنية على السلم والتعاون والانفتاح والشراكات، مع التأكيد على أن التنمية الوطنية يمكن أن تتقاطع مع التنمية المشتركة للدول والشعوب.
وهذه المبادئ الخمسة ليست مجرد شعارات نظرية؛ فقد أُدرجت بصورة واضحة ضمن تعريف الصين لمسارها في التحديث، باعتبارها تحديثًا لبلد ذي عدد سكان ضخم، وللرخاء المشترك، وللتقدم المادي والثقافي والأخلاقي، وللانسجام بين الإنسان والطبيعة، وللتنمية السلمية.
وقد يكون من المفيد لنا في الأردن أن نتأمل في هذه المبادئ لا بهدف استنساخ النموذج الصيني، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما بهدف السؤال: ما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربة نجحت في تحويل تحديات هائلة إلى فرص للتنمية؟
أرقام لا يمكن تجاهلها
يصعب الحديث عن التجربة الصينية دون التوقف أمام حجم التحول الذي شهدته البلاد.
فالصين، بالرغم من أنها تصنف كدولة نامية، أصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وفق تقديرات 2026 حاجز 20 تريليون دولار، محققًا نموًا بنسبة 5%، بعد أن ارتفع الاقتصاد خلال السنوات الخمس الأخيرة من مستوى 15 تريليون دولار.
لكن الرقم الذي أراه أكثر دلالة من حجم الناتج المحلي هو ما حدث على مستوى التنمية البشرية.
فخلال العقود الأربعة الماضية، أسهم النمو والتحول الاقتصادي في إخراج نحو 800 مليون إنسان من الفقر المدقع، وفق البنك الدولي. كما أعلنت الصين في نهاية عام 2020 القضاء على الفقر المدقع وفق خط الفقر الوطني، وإخراج نحو 98.99 مليون من سكان الريف من الفقر، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة تحقيقًا لهدف القضاء على الفقر المدقع ضمن الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة قبل الموعد المستهدف بعشر سنوات.
وهذا لا يعني أن جميع تحديات الفقر وعدم المساواة قد انتهت في الصين؛ فالفقر بمقاييس ومستويات معيشة مختلفة، والفوارق بين المناطق والريف والمدن، لا تزال قضايا قائمة. لكن الإنجاز التاريخي في القضاء على الفقر المدقع يظل تجربة تستحق الدراسة، خصوصًا من حيث ارتباطها بالتعليم، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والسياسات الزراعية، وبناء القدرات المحلية.
من مكافحة التصحر إلى استعادة الأرض
ربما كان أحد أكثر جوانب التجربة الصينية ارتباطًا باحتياجات الأردن من وجهة نظري هو مكافحة التصحر والاستدامة البيئية.
الصين، حيث 90% من مواطنيها هم أبناء لمزارعين، لم تتعامل مع التصحر باعتباره قضية بيئية فقط، وإنما باعتباره قضية تنموية واقتصادية واجتماعية، ونجحت في بناء منظومات متكاملة تجمع بين استعادة الأراضي، وزراعة الأشجار، وإدارة المياه والتربة، واستخدام التكنولوجيا، وحتى توظيف الطاقة الشمسية ضمن بعض مشاريع مكافحة التصحر.
وتشير البيانات الصينية الرسمية الحديثة إلى أنه خلال الفترة 2021–2025 تمت معالجة أكثر من 100 ألف كيلو متر مربع من الأراضي المتصحرة، كما انخفضت مساحة الأراضي المتصحرة بأكثر من 15 الف كيلومتر مربع، وانخفضت مساحة الأراضي المتدهورة بالتصحر، مع تحقيق ما تصفه الصين بالوصول إلى صفر نمو في تدهور الأراضي على المستوى الوطني. وفي عام 2025 وحده تمت معالجة حوالي 33 الف كيلومتر مربع من الأراضي المتصحرة والمتأثرة بالتصحر.
كما بلغت نسبة تغطية الغابات في الصين 25% من مساحتها في عام 2025، مع استمرار تنفيذ مشاريع واسعة للتشجير واستعادة الأراضي والمراعي المتدهورة.
بالنسبة للأردن، الذي يعيش تحديات مائية ومناخية وبيئية معروفة، فإن هذه التجربة تستحق أن تتحول من مادة للاطلاع إلى برنامج بحث علمي تطبيقي ومشروع شراكة دولية.
ولهذا، فإن زيارة اليرموك إلى الصين لن تتوقف عند ما اطلعنا عليه في معهد قانسو لأبحاث مكافحة التصحر (GDCRI)
بل بدأنا بالفعل في بناء مسار أكثر تخصصًا.
ففي مطلع أيلول القادم، ستتوجه بعثة علمية متخصصة من جامعة اليرموك إلى الصين تضم خبراء من تخصصات الجيولوجيا، والمياه، والتربة، والنبات، والطاقة، ونظم المعلومات الجغرافية، بهدف دراسة التجربة الصينية بصورة أكثر عمقًا، والاطلاع على التقنيات والمنهجيات التي يمكن أن تكون ذات صلة بالبيئة الأردنية.
وهذا، في رأيي، هو الفرق بين الزيارة البروتوكولية والشراكة الاستراتيجية: أن يعود الوفد الأول باطلاع وفكرة، ثم يعود فريق متخصص ليختبرها علميًا، ثم يتحول الاختبار إلى مشروع، ثم تتحول نتائج المشروع إلى تطبيق.
الطاقة النظيفة: من التحدي إلى ميزة تنافسية
المجال الآخر الذي يصعب تجاهله هو الطاقة.
الزيارة الى معهد قانسو لأبحاث الطاقة المتجددة (GNERI) بينت بكل تواضع وبساطة أن الصين أصبحت قوة عالمية كبرى في الطاقة المتجددة. ففي عام 2025 وحده أضافت الصين أكثر من 300 غيغاواط من الطاقة الشمسية وأكثر من 100 غيغاواط من طاقة الرياح، وشكلت إضافاتها من الطاقة المتجددة أكثر من 60% من الزيادة العالمية في ذلك العام. كما حققت الصين في عام 2024 مستهدفاتها لعام 2030 في قدرات الرياح والطاقة الشمسية أي قبل الموعد بست سنوات.
هذه الأرقام لا تعني فقط أن الصين أصبحت تنتج كميات ضخمة من الطاقة الشمسية والرياح؛ بل تعني أنها نجحت في بناء منظومة صناعية وبحثية وتمويلية وتكنولوجية متكاملة حول الطاقة النظيفة.
وهنا أرى فرصة مهمة للأردن.
فالأردن يمتلك موارد كبيرة من الطاقة الشمسية والرياح، لكنه يحتاج إلى الانتقال من مجرد إنتاج الطاقة إلى بناء منظومة معرفية وصناعية حولها: تخزين الطاقة، والفرص في مجال الهيدروجين الأخضر، والشبكات الذكية، وإدارة الطاقة، والبحث والتطوير، وربط الطاقة بالمياه والزراعة والصناعة.
وهذه كلها مجالات تستطيع جامعاتنا أن تكون شريكًا فيها.
البيئة ليست عدوًا للتنمية
ومن أهم وأجمل الدروس التي عدت بها من الصين أن العلاقة بين الاقتصاد والبيئة لا يجب أن تُفهم باعتبارها علاقة عكسية أو متنافرة أو متعارضة.
فالتنمية الاقتصادية يمكن أن تكون وسيلة لتحسين البيئة إذا استثمرت الدولة في التكنولوجيا والبحث العلمي والبنية التحتية المناسبة، كما يمكن للبيئة نفسها أن تتحول إلى مصدر للنمو والابتكار وفرص العمل.
وقد أظهرت الصين خلال السنوات الأخيرة تقدمًا مذهلاً في مؤشرات جودة الهواء– مخالفة بذلك كل توقعاتي متأثراً بصور كوارث تلوث الهواء في بكين التي ما زالت عالقة في ذهني منذ عام 2013 ؛ ففي عام 2025 بلغت نسبة الأيام ذات جودة الهواء الجيدة في أغلب المدن حوالي 89%، وهي أفضل نتيجة مسجلة، وفق البيانات الرسمية الصينية.
وهذا يفتح سؤالًا مهمًا لنا في الأردن:
هل يمكن أن نتعامل مع شح المياه والتصحر والطاقة والمناخ ليس فقط باعتبارها مشكلات، وإنما باعتبارها أكبر مختبرات الابتكار الوطني؟ أعتقد أن الإجابة يجب أن تكون نعم.
ما الذي يمكن أن تفعله اليرموك؟
من هذا المنطلق، فإنني لا أنظر إلى علاقتنا مع الصين باعتبارها ملفًا من ملفات العلاقات الدولية للجامعة، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية اليرموك للخمسين سنة المقبلة.
لقد بدأنا خلال الفترة الماضية سلسلة من الزيارات والاتصالات والشراكات مع المؤسسات والجامعات والشركات الصينية، شملت مجالات متنوعة.
اطلعنا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية من خلال شركة 365 MedAI، وزرنا شركة JD.com
وتعرفنا إلى نماذج متقدمة في التكنولوجيا والتجارة الرقمية والخدمات اللوجستية، واجتمعنا مع مؤسسات بحثية متخصصة في مكافحة التصحر والطاقة المتجددة، وبحثنا فرص التعاون في مجال الثقافتين واللغتين الصينية والعربية مع جامعات ومؤسسات أكاديمية وبحثية صينية.
لكن ما نتطلع اليه الآن هو الانتقال إلى المرحلة التالية.
نتطلع الى قاعات صفية ذكية وحرمًا جامعيًا ذكيًا.
نتطلع الى شراكات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية والرعاية الصحية الذكية.
نتطلع الى برامج للتبادل الأكاديمي ومنحًا للطلبة وأعضاء هيئة التدريس الى الصين.
نتطلع الى تعزيز تعليم اللغة الصينية في الأردن واللغة العربية في الصين، وفتح مساحات أكبر للتعاون مع الجامعات المتخصصة، ومن بينها جامعة شنغهاي للدراسات الدولية (SHISU).
نتطلع الى شراكات في الطاقة المتجددة والتقنيات الخضراء ومكافحة التصحر والمياه والتربة والاستدامة.
نتطلع الى أن نعمل على نقل التكنولوجيا وتسويق الملكية الفكرية، وأن نربط الباحثين بالصناعة والقطاع الخاص.
ونتطلع الى في مرحلة لاحقة، الى إنشاء مجمع ثقافي بحثي وابتكاري أردني صيني مشترك يعمل كمركز ينبض بالمتابعة والعمل على قضايا ذات أولوية للأردن والمنطقة وأهمية للصين.
كما أرى أهمية كبيرة في تكثيف المشاركة في البرامج والزيارات والورش الممولة من الجانب الصيني وأن لا تبقى محصورة في عدد محدود من الأشخاص؛ بل أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من أعضاء هيئة التدريس والباحثين والطلبة، كل في مجال تخصصه، حتى تصبح الشراكة الصينية جزءًا من الحراك الأكاديمي للجامعة ككل.
الجامعة كجسر بين السياسة والاقتصاد
وهنا أعود إلى زيارة سيدي جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين.
فالقيادة السياسية تفتح الأبواب، والدبلوماسية تبني الثقة، والاقتصاد يخلق المصالح المشتركة، لكن الجامعات تبني المعرفة والإنسان الذي يجعل هذه الشراكات قابلة للاستمرار.
وهذا هو الدور الذي أعتقد أن علينا في الجامعات الأردنية أن نضطلع به.
إذا نجحنا في استقطاب شراكات صينية أواستثمار صيني في الأردن، فنحن بحاجة إلى مهندسين وأطباء وخبراء في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتصنيع والإدارة.
وإذا نجحنا في إنشاء صناعات جديدة، فنحن بحاجة إلى برامج تعليمية وبحثية مرتبطة بهذه الصناعات.
وإذا أردنا أن نستفيد من التجربة الصينية في مكافحة التصحر والطاقة والمياه، فنحن بحاجة إلى باحثين أردنيين يعملون جنبًا إلى جنب مع نظرائهم الصينيين.
وإذا أردنا نقل التكنولوجيا، فعلينا أن نمتلك القدرة على استيعابها وتطويرها وتوطينها.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الجامعة.
اليرموك تدخل الخمسينية الثانية
لقد كانت الخمسينية الأولى لجامعة اليرموك مرحلة بناء مؤسسة وطنية أكاديمية عريقة، أسهمت في تخريج أجيال من العلماء والمهنيين والقادة، وأصبحت جزءًا راسخًا من قصة التعليم العالي الأردني.
أما الخمسينية الثانية، فأراها مرحلة التحول من جامعة تنتج الخريجين إلى جامعة تحتضن الموهبة وتصنع المستقبل وتنتج القيمة والأثر.
جامعة بحثية أكثر تأثيرًا. جامعة رقمية وذكية. جامعة أكثر ارتباطًا بالصناعة وسوق العمل. جامعة تحتضن الموهبة والابتكار والريادة. جامعة تنظر إلى العالم باعتباره شريكًا في المعرفة.
ولهذا فإن الشراكات الصينية بالنسبة لنا ليست مناسبات بروتوكولية، ولا مجرد مذكرات تفاهم تضاف إلى أرشيف الجامعة.
نريد شراكات تنتج مشروعًا، ومشروعًا ينتج معرفة، ومعرفة تتحول إلى ابتكار، وابتكار يتحول إلى قيمة، وقيمة تعود بالنفع على الطالب والجامعة والمجتمع والوطن.
من الزيارة الملكية إلى شراكة معرفية مستدامة
إن زيارة سيدي جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تفتح نافذة واسعة أمام الأردن لتوسيع علاقاته الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية مع واحدة من أهم القوى الاقتصادية والعلمية في العالم.
وأعتقد أن علينا جميعًا، كل في موقعه، أن نسأل: كيف نحول هذه اللحظة السياسية والاقتصادية إلى نتائج طويلة الأمد؟
وفي جامعة اليرموك، نحاول أن تكون الإجابة عملية.
سنستمر في بناء جسورنا مع الجامعات ومراكز البحث والشركات الصينية. خاصة وأن جامعة اليرموك تتيح فرصة تعلم اللغة الصينية بغض النظر عن تخصص الطالب.
وسنوسع التعاون في التعليم والبحث العلمي والابتكار والطاقة والتقنيات الطبية والاستدامة.
وسنرسل فرقًا علمية متخصصة لدراسة التجارب الصينية التي يمكن أن تخدم احتياجاتنا الوطنية، بدءًا من فريق مكافحة التصحر الذي سيغادر في الثاني من أيلول المقبل.
وسنعمل على أن تكون هذه الزيارات بداية لمشاريع بحثية وتطبيقية حقيقية، لا نهايتها.
فالصين لم تصل إلى ما وصلت إليه في يوم واحد، ولم يكن سر تجربتها في مشروع واحد أو قطاع واحد، وإنما في الاستمرارية، والتخطيط طويل المدى، والاستثمار في الإنسان، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والانفتاح، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. حيث يقول المثل الصيني: " لا تخف من النمو البطيء، بل اخشى فقط من الوقوف ساكنًا"
وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي يمكن أن نتعلمها. لسنا بحاجة إلى أن نصبح الصين، ولا يمكن أن نصبحها.
لكننا بحاجة إلى أن نعرف ماذا فعلت الصين عندما واجهت تحديات كبيرة، وكيف نجحت في تحويل التعليم إلى قوة، والبحث العلمي إلى اقتصاد، والتكنولوجيا إلى حلول، والتحديات البيئية إلى فرص للابتكار.
وبالنسبة لي، كرئيس لجامعة اليرموك، فإن أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه التجربة هو أن نؤمن بأن الجامعة ليست مجرد مكان نتلقى فيه المعارف، وإنما مكان نبني فيه المستقبل.
وفي يوبيل اليرموك الذهبي، ونحن نبدأ الخمسين عامًا الثانية، فإن مسؤوليتنا ليست فقط أن نحافظ على ما بنيناه خلال نصف قرن، وإنما أن نبني جامعة أكثر قدرة على أن تكون شريكًا في مستقبل الأردن.
فإذا كانت زيارة جلالة الملك إلى الصين تفتح أبوابًا جديدة للأردن، فإن دورنا في الجامعات أن نملأ هذه الأبواب بالعمل المشترك و بالعلم، والبحث، والابتكار، والإنسان.
وهذا هو، في تقديري، المعنى الحقيقي للشراكة الاستراتيجية:
أن تتحول الصداقة بين الدول إلى معرفة بين الجامعات، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى تنمية، والتنمية إلى مستقبل أفضل لشعبينا.







