واشنطن تعيد رسم علاقتها الدفاعية مع إسرائيل وسط جدل داخلي متصاعد
تشهد الساحة السياسية الأميركية سلسلة من التطورات المتسارعة التي تعيد رسم ملامح السياسة الخارجية والداخلية معاً، ومن يتابع مستجدات الأوضاع في الولايات المتحدة يلاحظ أن النقاش لم يعد يقتصر على حجم المساعدات أو مواقف الإدارة، بل امتد إلى طبيعة التحالفات نفسها، وإلى انقسامات حادة داخل الكونغرس والأحزاب. وفي قلب هذا المشهد تتشابك ثلاث قضايا رئيسية: مستقبل الدعم العسكري لإسرائيل، والجدل حول مخزون الذخائر الأميركية، والصراع داخل الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان.
من المساعدات المباشرة إلى الشراكة الاستراتيجية
تبحث أوساط في الكونغرس الأميركي مشروعاً يهدف إلى إعادة تشكيل طبيعة العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر الانتقال من نموذج المساعدات العسكرية السنوية المباشرة إلى شراكة استراتيجية أوسع، تشمل الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا العسكرية وتعزيز التعاون الاستخباراتي بين البلدين، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز». ويأتي هذا التحرك في مرحلة تشهد نقاشاً داخلياً متزايداً حول مستقبل الدعم، في ظل تصاعد الانتقادات السياسية والشعبية لطريقة إدارة الحرب في غزة، وتنامي الأصوات التي تدعو إلى مراجعة شكل المساعدات التقليدية.
وينتهي عام 2028 الاتفاق الحالي الذي يلزم واشنطن بتقديم نحو 3.8 مليار دولار سنوياً لإسرائيل، وسط تساؤلات حول إمكانية تجديده بصيغته الحالية، خصوصاً مع وجود أعضاء في الكونغرس يعارضون استمرار التمويل المباشر. ويهدف مشروع القانون، المدرج ضمن موازنة الدفاع السنوية، إلى إنشاء مكتب خاص داخل وزارة الدفاع الأميركية يتولى تنظيم التعاون العسكري والتكنولوجي، والإشراف على مشاريع مشتركة في مجالات متقدمة، من بينها:
- الذكاء الاصطناعي والدفاع الصاروخي.
- الأنظمة ذاتية التشغيل والأمن السيبراني.
- تطوير واختبار تقنيات عسكرية جديدة.
- توسيع التعاون الاستخباراتي مع وضع قيود لحماية المصالح الأمنية الأميركية ومنع الكشف عن مصادر حساسة.
ويرى مؤيدو المشروع أن الخطوة تمثل انتقالاً من علاقة تقليدية قائمة على الدعم المالي إلى نموذج أكثر تكاملاً يقوم على الاستثمار المشترك وتبادل الخبرات، إذ يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من الخبرات الإسرائيلية في التكنولوجيا الدفاعية والاستخبارات، في وقت باتت فيه الحروب الحديثة تعتمد على الابتكار والقدرات الرقمية. ويحظى المشروع بدعم من الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اللذين يريان أن تعزيز التعاون سيجعل العلاقة أكثر رسوخاً بدلاً من ارتباطها بالمساعدات السنوية فقط.
جدل الذخائر وتصريحات دونالد ترمب
وفي ملف آخر لا يقل حساسية، أكد الرئيس دونلد ترامب أن لدى الولايات المتحدة كميات «ضخمة» من الذخائر، ملوّحاً بملاحقة من يروّج لغير ذلك، عقب تقرير صحافي عن نقص المخزون وخلاف مع وزير الدفاع بيت هيغسيث بسبب الحرب مع إيران. وشدد عبر منصّته «تروث سوشيال» على أن واشنطن تصنّع وتشحن كميات كبيرة حسب الحاجة، وأن شركات الدفاع «تبني أكبر عدد من المصانع في تاريخ البلاد».
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد ذكرت أن ترمب طالب وزير الدفاع بإيضاحات بشأن النقص خلال اجتماع في كامب ديفيد، ونقلت عن مصدرين أنه كان يعتقد أن المشكلة «تمت معالجتها»، وأن النقص دفعه إلى التراجع عن ضربات جديدة ضد إيران. وأفادت شبكة «سي إن إن» بأن الجيش الأميركي «أوشك على استنفاد نحو 80 في المائة» من مخزونه من الصواريخ الاعتراضية لمنظومة «ثاد». ووصف ترمب هذه التسريبات بأنها «خيانة»، بينما نفى البيت الأبيض والبنتاغون وجود أي خلاف، عادّين التقارير «من وحي الخيال».
معارضة داخل الكونغرس
في المقابل، تواجه رؤية إعادة تشكيل العلاقة الدفاعية اعتراضات من مشرعين يخشون أن تمنح إسرائيل نفوذاً واسعاً على قطاعات حساسة من الصناعات الدفاعية الأميركية، أو أن تحد من قدرة واشنطن على قرارات مستقلة. وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن إن تحويل التعاون العسكري مع دولة أجنبية إلى التزام قانوني دائم يختلف عن الاتفاقيات المرتبطة بالظروف المتغيرة، فيما عدّ النائب الجمهوري توماس ماسي أن المشروع قد يشكل تهديداً للسيادة الأميركية إذا أدى إلى تشابك طويل الأمد في سلاسل الإمداد.
ويستشهد المعارضون بتجربة منظومة «القبة الحديدية»، بعدما رفضت إسرائيل نقل بعض بطارياتها إلى أوكرانيا خشية وصول تقنياتها إلى أطراف معادية. ويرد الداعمون بأن التعاون الوثيق مع الحلفاء ليس سابقة جديدة، مشيرين إلى شراكات صناعية قائمة مع بريطانيا وأستراليا وكندا، ويرون أن توسيع التعاون قد يعزز القدرات الأميركية ويخفض التكاليف عبر مشاريع مشتركة.
الحزب الديمقراطي المنقسم في ميشيغان
على الصعيد الداخلي، فاز عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، متغلباً على النائبة هالي ستيفنز، في انتصار للجناح التقدمي. وأظهرت الحملة حجم الغضب الشعبي من دور المال في السياسة؛ إذ قال ناشط تقدمي إنه لم يرَ قضية إبعاد المال عن السياسة بهذا القدر من الأهمية لدى الناخبين، ناقلاً شعورهم بأن الأحزاب الوطنية «قد نسيتهم».
لكن الفوز كشف انقساماً داخل الحزب؛ فبعض القادة أبدوا تحفظاً على دعم السيد بسبب تركيزه على إسرائيل، ومنهم من فكّر في التصويت لمنافسه الجمهوري مايك روجرز. وسعى السيد إلى طمأنة الأميركيين اليهود قائلاً إن التزامه بسلامتهم «كالتزامه بسلامة بناته»، بينما شدد قادة ديمقراطيون على أن «القيادة الجيدة تتطلب التواضع والإنصات» شرطاً لإعادة توحيد الحزب قبل الانتخابات العامة.
في الختام
تكشف هذه الملفات الثلاثة أن النقاش الأميركي يتحول من سؤال «كم» إلى سؤال «كيف»؛ من حجم المساعدات إلى شكل التحالف، ومن إدارة المخزون إلى إدارة الخلافات الداخلية. وبينما تبقى المشاريع غير محسومة، فإنها ترسم ملامح مرحلة أكثر تعقيداً. برأيك، هل يصمد نموذج المساعدات التقليدي حتى 2028، أم أن الشراكة الاستراتيجية هي المستقبل الحتمي؟







