اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خيرالله خيرالله يكتب: المغرب… “الدّولة الأمّة” و”غيرة البعض”

{title}
أخبار الأردن -

 

خيرالله خيرالله

لماذا يستطيع المغرب تجاوز الصعوبات والتحدّيات، بما في ذلك الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة، وهي جيب إسبانيّ في الأراضي المغربيّة لا بدّ أن يعود إلى المملكة عاجلاً أم آجلاً؟

 

مرّت في خطاب الملك محمّد السادس بمناسبة عيد العرش المغربيّ، عبارتان تختصران جانباً واسعاً من تجربة هذا البلد: “الدولة الأمّة” و”غيرة البعض”. تشرح الأولى من أين يأتي الصعود المغربيّ، وتصف الثانية الصدى الذي أحدثه هذا الصعود خارج المملكة.

المغرب لا يتصرّف كدولة طارئة تبحث عن مكان لها، وإنّما كدولة ذات جذور ضاربة في التاريخ، راكمت مؤسّسات وتقاليد في الحكم، واحتفظت، وسط محيط كثير الاضطراب، باستمراريّة سياسيّة نادرة.

أمّا “الغيرة” التي تحدّث عنها محمّد السادس، فهي تعبير عن ضيق بعض الأطراف بدولة تغيّر موقعها، وتتقدّم، خلافاً للجار الجزائريّ، في مجالات كان يفترض، في حسابات هذه الأطراف، أن تبقى بعيدة عنها.

نجح المغرب، في أن يجعل نفسه أكثر حضوراً في حسابات الآخرين من دون أن يرفع صوته كثيراً. يعبّر ميناء طنجة المتوسّط وميناء الداخلة في الصحراء المغربيّة، عن هذه الحقيقة البسيطة. كما تعبّر عنها الصناعات المتّصلة بالسيّارات والطيران، والامتداد الاقتصاديّ في غرب إفريقيا، ومشروعات الطاقة والربط القارّيّ مع أوروبا، والعلاقات المتوازنة مع الولايات المتّحدة والصين ودول الخليج. عامَل المغرب هذه الملفّات بصفتها أجزاء من سياسة واحدة هدفها تحويل المملكة إلى دولة تمرّ عبرها وترتبط بها مصالح يصعب تجاهلها.

هذه، في جوهرها، هي الطريقة المغربيّة في بناء النفوذ: توسيع قيمة الدولة على أرض الواقع قبل المطالبة بتوسيع أدوار وهميّة.

حماية المصالح وتثبيت الوحدة

الرباط لا تعرض مشروعاً أيديولوجيّاً على المنطقة، ولا تزعم امتلاك وصفة تصلح للآخرين. وهي نادراً ما تتحدّث بلغة القيادة أو الوصاية. طموحها أكثر تحديداً: حماية مصالحها الوطنيّة، تثبيت وحدتها الترابيّة، تنويع شراكاتها، ورفع كلفة تجاوزها في الحسابات الإقليميّة والدوليّة.

المغرب

تجلّت هذه المقاربة بوضوح في إدارة قضيّة الصحراء. لم يعد الملفّ مجرّد نزاع تشرح فيه الرباط عدالة موقفها، بل أصبح جزءاً من هندسة علاقاتها الخارجيّة. انتقلت الدبلوماسيّة المغربيّة، بتوجيه من محمّد السادس، من الدفاع عن القضيّة إلى بناء بيئة دوليّة تجعل الموقف المغربيّ أكثر اتّصالاً بمصالح الدول، واستثماراتها، وأمنها، وخططها في إفريقيا والأطلسيّ.

أدركت الرباط بواقعيّة شديدة أنّ التأييد السياسيّ الذي لا يستند إلى مصالح مشتركة يبقى قابلاً للتراجع مع تبدّل الحكومات والظروف. فما يحمي المغرب اليوم وقضاياه وملفّاته، في منطقة معقّدة ومليئة بالمعقّدين، أنّه بات شريكاً لمعظم المؤثّرين في العالم في التجارة والطاقة والأمن والهجرة والاستثمار، بحيث ترتّب بشكل تلقائيّ على كلّ العواصم الكبرى تحديد موقعها من قضيّة الصحراء بما يتناسب مع رؤيته ومصالحه.

طنجة المتوسّط

طنجة المتوسّط، مثلاً، هو إعلان عن الموقع الذي يشغله المغرب في التجارة الدوليّة. صناعة السيّارات، إلى جانب دعمها للصادرات وفرص العمل، تربط المملكة بسلاسل إنتاج أوروبيّة وعالميّة تجعل استقرارها جزءاً من استقرار شركات وأسواق خارج حدودها. ينطبق الأمر نفسه على صناعة الطيران، والطاقة المتجدّدة، وإنتاج الأسمدة، والمشروعات المرتبطة بالمحيط الأطلسيّ.

حتّى مشروع أنبوب الغاز الممتدّ من نيجيريا على طول الساحل الإفريقيّ نحو المغرب وأوروبا، على ما يحيط به من تحدّيات ماليّة وتقنيّة وسياسيّة، يكشف حجم التصوّر المغربيّ لدوره. فالمشروع محاولة لإعادة رسم الصلة بين غرب إفريقيا والأسواق الأوروبيّة، ووضع المغرب في قلب شبكة للطاقة والتنمية والبنية التحتيّة تتجاوز حدوده المباشرة، وتعيد تعريف أمن الطاقة في إفريقيا بشكل يلتفّ على التحدّيات الأمنيّة لمنطقة الساحل والخطوط الحاليّة التي تمرّ عبرها.

حافظت الرباط على أبوابها مفتوحة مع قوى متباينة. فعلاقتها الوثيقة بواشنطن لم تمنعها من توسيع التعاون مع بيجينغ (بكين). ارتباطها الاقتصاديّ بأوروبا لم يحصر حركتها داخل الفضاء الأوروبيّ. شراكاتها الخليجيّة لم تأتِ على حساب حضورها الإفريقيّ. كما أنّ عودتها إلى الاتّحاد الإفريقيّ في 2017 عكست قراراً بالدفاع الهادىء عن مصالحها في وجه خصومها بعدما تبيّن حجم الضرر الناتج عن ترك الساحة لهم.

صلابة الدّاخل

الخطاب الملكيّ الأخير في مناسبة عيد العرش جاء تجسيداً لعقيدة سياسيّة مفادها أنّ الحضور الدوليّ يبدأ من صلابة الدولة في الداخل، ومن قدرتها على تقديم شيء يحتاج إليه العالم. لا يعني ذلك أن لا تحدّيات يواجهها المغرب، لا سيّما من ناحية الوقت الذي تحتاج إليه المشاريع الكبرى قبل أن تتعمّم ثمارها.

لكنّ الاتّجاه العامّ واضح. المملكة تثبّت موقعها كنقطة وصل في التجارة، ومركز للصناعة، وشريك أمنيّ، ومدخل إلى إفريقيا، وامتداد أطلسيّ لأوروبا مع الحفاظ على استقلالها الاستراتيجيّ.

أمّا “غيرة البعض” فستظلّ من الأعراض الجانبيّة للصعود المغربيّ، وإن اتّخذت أشكالاً أكثر خطورة، تستهدف صورة الاستقرار التي بنى المغرب جزءاً مهمّاً من نفوذه عليها كما كشفت أحداث سبتة.

بالتزامن مع خطاب العرش، اندفع عشرات الآلاف من الشباب المغربيّ نحو الجيب الواقع تحت السيطرة الإسبانيّة، والذي يعتبره المغرب جزءاً من ترابه الوطنيّ، في مشهد أُريد له، أن يطغى على الخطاب كلّه، وتحويل عيد العرش من مناسبة لعرض منجزات الدولة إلى مناسبة لمحاكمتها.

لكنّ ما أعلنته وزارة الداخليّة المغربيّة بعد ذلك وضع الحدث في سياق يتجاوز التفسير الاجتماعيّ المباشر. فالعبور، بحسب الوزارة، تغذّى من حملات تضليل منظّمة عبر المنصّات الرقميّة، ومن نشاط شبكات الاتّجار بالبشر، ومن ترويج لقراءة زائفة لحكم قضائيّ إسبانيّ، أوهمت الآلاف بأنّ بلوغ سبتة بحراً سيفتح لهم طريق الإقامة في إسبانيا وأوروبا.

لا يلغي ذلك الأسئلة الاجتماعيّة التي كشفها المشهد، بشأن الشباب والبطالة والفوارق وانتظار ثمار المشاريع الكبرى، وهو ما تحدّث عنه الملك شخصيّاً حين ركّز، قبل سنة، على ضرورة أن يسير المغرب كلّه بسرعة واحدة.

امتصاص الصّدمة

غير أنّ ما تلا الاندفاعة أظهر في الوقت نفسه قوّة البنية المغربيّة. استعادت الأجهزة السيطرة على الحدود، وتوقّفت موجات العبور الكبرى، وعادت حركة المرور القانونيّة، وجرى التعاون مع إسبانيا على إعادة الغالبيّة الساحقة ممّن دخلوا سبتة. وأكّد وزير الخارجيّة الإسبانيّ خوسيه مانويل ألباريس أنّ الرباط قدّمت دعماً أمنيّاً فوريّاً من دون شروط، بما سمح بإعادة معظم العابرين خلال أيّام قليلة.

الأهمّ أنّ الأزمة لم تتحوّل إلى انقسام سياسيّ داخليّ، أو مواجهة مفتوحة مع إسبانيا، أو شرخ دبلوماسيّ يعيد ترتيب علاقات المغرب بأوروبا. يؤكّد هذا النجاح قدرة الدولة المغربيّة على امتصاص الصدمة، ومنع خصومها المعروفين من التحكّم في معناها، ثمّ إعادة الحدث إلى حجمه من دون إنكار خطورته. تكتمل في ذلك دلالة “الدولة الأمّة”.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية