البراري يكتب: شرق المتوسط: هشاشة قديمة ومفاتيح مستقبلية
منذ بروز إمارات شامية وعراقية إبان ضعف الخلافة العباسية، وأصبحت عبارة عن دويلات حول مدينة مركزية كبرى، مثل الإمارة الحمدانية في حلب ومحيطها، والإمارة العُقيلية وعاصمتها الموصل، والسلاجقة في دمشق وغيرها، والزنكيين والأيوبيين في شمال العراق والشام، وعبر كل المراحل اللاحقة، أدى ذلك إلى تعمق الحالة الشرق أوسطية، التي بقيت حتى يومنا هذا مركزًا رئيسيًا مزمنًا للانقسامات الإثنية والعرقية والطائفية. وهي حالة لم تختفِ تحت حكم المماليك، ولم تنتهِ إبان الحقبة العثمانية، لذا فإن الدولة الوطنية الحديثة في شرق المتوسط ورثت هذه الجينات المتأصلة. ومع أن هذه الدول الوطنية تمكنت، بنسبة مرضية، من تحقيق عقد اجتماعي استمر قرابة مئة عام، إلا أن هذا العقد ما لبث أن كشف عن هشاشته، مع بروز أنظمة الحزب الواحد، وتراجع التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتحالفات خارجية لم تصب في مصلحة الشعوب ومستقبلها، فبدأت عوامل تفكك البنى الاجتماعية الهشة تضرب وحدة هذه الدول، وتهدد تماسكها سياسيًا وجغرافيًا، وتنوعها الثقافي.
المسألة إذن ليست حالة طارئة أو وليدة مرحلة عابرة، فعندما تتراجع القوة المركزية للدولة، تبدأ هذه المكونات بالتململ والإعلان عن مظلوميتها وحقوقها، وتسعى إلى تأطير وضعها التاريخي في حالة جغرافية/سياسية، ويتبع ذلك البحث عن داعمين وحلفاء خارجيين، في محاولة للحصول على مكاسب في ظل لعبة جديدة للأمم. وقد كان لهذا الواقع أثره المدمر في كثير من مفاصل شرقي البحر المتوسط، فهذه البنية كانت من عوامل سقوط دولة المماليك، ومن أسباب ضعف الدولة العثمانية في بلاد الشام منذ حملة إبراهيم باشا، وحرب جبل لبنان، ودخول القوى الغربية بحجة حماية 'الرعايا' في شرق المتوسط. كما عمل الاستعمار الفرنسي والبريطاني على استغلال هذه المكونات الساعية إلى بنى سياسية مستقلة أو شبه مستقلة في تكوين دول ميّزت مرحلة الاستعمار، وتكرست بعدها.
الحالة الراهنة في المنطقة تستعيد تلك التفاصيل القديمة وكأنها قدر متجدد، فمنذ ضعف الحكومة اللبنانية بسبب الحرب الأهلية، وتقاطع المصالح الدولية والإقليمية فيها ومن خلال مكوناتها المتعددة، ومن ثم سقوط نظام صدام، وبعد ذلك إفرازات 'الربيع العربي'، وسقوط نظام الأسد، برزت من جديد هذه المكونات باعتبارها عوامل إضعاف وإنهاك للدولة، بدلًا من أن تتحول إلى عقد اجتماعي متعدد يعتمد التنوع الثقافي مصدرًا أساسيًا من مصادر قوة الدولة الوطنية. بل أفضت هذه الحالة المزمنة إلى استقطاب إقليمي ودولي، وأصبحت بوابة لقوى خارجية في إطار بناء النفوذ الإقليمي أو تشييد المحاور وحرب الوكلاء، وهي جميعها عوامل تضرب في خاصرة الدولة، وكأن التاريخ يعيد نفسه حقًا.
نعم، تبدو الحالة بالغة التعقيد، وأن الأفق داكن وملبد بالاحتمالات غير المريحة، لكن الحل الذي أكده التاريخ نفسه، والذي يسهم في تضميد الجراح، وإعادة بناء اللحمة الوطنية، وقيادة الشعوب والمنطقة إلى مستقبل أفضل، هو الوعي بالحتمية الجغرافية التي تستوجب الاعتراف بالجميع، وتعميق ثقافة التقبل والقسمة، في ظل بنية تشاركية حقيقية تكفلها منظومة عميقة أساسها الحريات، وحفظ الحقوق، والشراكة البنّاءة، والتخلص من قوى التطرف ومحاولة احتكار التاريخ والجغرافيا والحقيقة. وهي العوامل ذاتها التي أوجدت الدولة الأموية والدولة العباسية في أوج عظمتهما، وهي أيضًا العوامل ذاتها التي قدمت النموذج الأندلسي للعالم في أبهى العصور وأكثرها لمعانًا وعلمًا. علينا أن نستحضر هذه النماذج الناهضة كلها، في سبيل تحويل عوامل الضعف والهشاشة إلى مصادر قوة ومنعة وحضارة ناصعة. وهذا لا يبدو سهلًا في المدى القريب، لكنه الطريق القويم في مواجهة ما تتعرض له المنطقة من تفكك ومكايد تأكل الحاضر وتهدد المستقبل.






