اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: موت عدو لدود للحرية..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


مساء السبت 11 تموز (يوليو) 2026 مات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، وترك إرثًا سياسيًا تجاوز شخصه ليرتبط برؤية كاملة لفهم القوة والعدالة والعلاقات الدولية قائمة على ازدراء حرية الشعوب. وقد استخدم السيناتور موقعه في الكونغرس لتحويل هذه الرؤية إلى جزء من المشهد السياسي العام وتطبيعها بغض النظر عن ضحاياها. 
 

بالنسبة للعرب والفلسطينيين، كان غراهام واحدًا من أكثر الأصوات الأميركية صلافة في الدفاع عن التحالف بين الولايات المتحدة والكيان الاستعماري الصهيوني. وقد أمضى سنواته في مجلس الشيوخ وهو يقدّم الكيان كحليف استثنائي، ويربط أمنه بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط. وظهر الكيان في خطاباته ومواقفه كجزء من منظومة النفوذ الأميركي في منطقتنا، والذي يستحق التمتع بدعم سياسي يتجاوز حدود أي سياسة خارجية مألوفة.
يفسر تأثير جماعات الضغط أو الحسابات الانتخابية أو الروابط الأيديولوجية والأصوات الصهيونية المتحمسة مثل غراهام جزءًا من هذه العلاقة التي رسختها التحولات الكبيرة التي أعقبت حرب 1967. وقد جعل انتصار الكيان في تلك الحرب منه عنصرًا مركزيًا في الإستراتيجية الشرق أوسطية للمهيمن الأميركي، وارتبط تفوقه العسكري والسياسي برؤية واشنطن لإقليمنا الذي تحارب لضمان إخضاعه وكتم صوته.
كان غراهام أحد أبرز الأصوات التي رسخت هذا التحالف في الخطاب السياسي الأميركي، وساهمت في نقل العلاقة مع الكيان من مجال المصالح المتبادلة إلى مستوى الالتزام العقائدي. وأصبح الدفاع عن الكيان في خطابه جزءًا من تعريف الولايات المتحدة لأمنها ودورها العالمي، واعتبار انتقاد الكيان الصهيوني خروجًا عن ثوابت السياسة الأميركية.
وفي خطابه عن صراع الفلسطينيين مع الكيان، ساهم غراهام في اختزال التاريخ الطويل للاحتلال والاستيطان والحصار والتهجير في إطار أمني ضيق يشكل فيه الفلسطينيون مصدر التهديد والعنف. واختفى الفلسطينيون بوصفهم شعبًا صاحب قضية سياسية وتاريخية، ليحل محلهم تصور أمني يضعهم في جانب التهديد من معادلة القوة. وكانت لهذه اللغة السياسية آثار عميقة على تصور الصراع: عندما يُنظر إلى شعب واقع تحت الاحتلال وفق مفهوم أمني، تصبح القوة القائمة بالاحتلال صاحبة الرواية الأساسية، وتتحول معاناة الضحايا إلى تفصيل جانبي. وبذلك أعاد خطاب غراهام تكريس واحدة من أهم التجارب الاستعمارية: إعادة صياغة علاقة القوة بحيث يبدو الطرف الأقوى في موقع الدفاع الدائم، بينما يُطلب من الطرف الأضعف إثبات حقه في الوجود والمقاومة.
في رد فعله على عملية «طوفان الأقصى» قال غراهام: «كل وفاة، من الآن فصاعدًا، أحمّل ’حماس‘ المسؤولية عنها، وليس إسرائيل». وفي مقابلة أجرتها معه شبكة (إن بي سي) في برنامج «واجه الصحافة» في العام 2024، ودافع فيها عن استمرار تزويد الكيان بالسلاح خلال حرب غزة، قال: «عندما وجدنا أنفسنا، كأمة، نواجه خطر الفناء بعد هجوم بيرل هاربور، ونحن نخوض الحرب ضد ألمانيا واليابان، اتخذنا قرارًا بإنهاء الحرب عبر قصف هيروشيما وناغازاكي بالأسلحة النووية. وكان ذلك القرار صائبًا.. زوّدوا إسرائيل بالقنابل التي تحتاج إليها لإنهاء الحرب. فهي لا تملك ترف الهزيمة». وأضاف مخاطبًا الكيان: «اذهبوا وافعلوا ما يتوجب عليكم فعله.»
بهذه التصريحات وأشباهها، أعفى غراهام الكيان من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن العنف الغاشم، وحمل الفلسطينيين المسؤولية عن المقدمات والنتائج. ومثل عادة الخطاب الأميركي، تجاهل غراهام طبيعة الصراع غير المتكافئ بين كيان فائق القوة يتمتع بدعم دولي كبير وشعب معزول يعيش منذ عقود تحت الاحتلال والحصار. وعندما دعا الكيان إلى «فعل كل ما يتوجب عليكم فعله» لتدمير الفلسطينيين، فإنه أضاف إلى الخطاب السياسي الأميركي لغة تبريرية وتشجيعية تغري الكيان باستخدام القوة المفتوحة من دون اعتبار للنتائج، مع الركون إلى استمرار الدعم من رعاته الأميركيين.
لذلك جاءت ردود الفعل الحزينة على موته من كل قادة الكيان. وقال عنه رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو: «كان صديقًا عزيزًا لإسرائيل. لقد أدرك أن أمن إسرائيل هو أمن الولايات المتحدة. ووقف إلى جانبنا في أحلك ساعاتنا، كما وقف معنا في لحظات انتصاراتنا.» وقال رئيس الكيان، إسحاق هرتسوغ: «لقد فقدت دولة إسرائيل أحد أعظم أصدقائها. ولن يُنسى أبدًا التزامه الراسخ بأمن إسرائيل ومستقبلها.» وكتب وزير خارجية الكيان، جدعون ساعر: «لقد فقدت إسرائيل أحد أعظم المدافعين عنها. وكان دعمه لإسرائيل ثابتًا ولا يتزعزع، وقد قدرناه عميق التقدير.»
وقال وزير دفاع الكيان، يسرائيل كاتس: «كان ليندسي غراهام صديقًا حقيقيًا لإسرائيل. وقد وقف بثبات إلى جانب حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وحماية مواطنيها.» وكتب رئيس وزراء الأسبق، نفتالي بينيت: «لقد فقد شعب إسرائيل صديقًا عظيمًا. شكرًا لك يا ليندسي لأنك وقفت دائمًا إلى جانب إسرائيل.» وكان وزير الأمن القومي للكيان، إيتمار بن غفير، من أوائل المسؤولين الإسرائيليين الذين نعوه، وقال: «صديق عظيم لإسرائيل. ليكن ذكره مباركًا.»
لا يتوقع الفلسطينيون أن يغير موت غراهام طبيعة النظام الأميركي العدواني، حيث تبقى الأفكار التي دافع عنها متجذرة في مؤسسات صنع القرار؛ وحيث العلاقة بين واشنطن والمستعمرة الصهيونية تقوم على مصالح استراتيجية تتجاوز الأفراد. ثمة السياسيون يرحلون، بينما تستمر البنى السياسية التي منحتهم القدرة على التأثير. لكن موته أفقد العدو الصهيوني صوتًا بالغ التأثير في التحشيد له وتبرير دعمه، وتقديمه كضرورة أمنية أميركية، بشهادة زعماء الكيان أنفسهم. وصديق العدو إلى هذا الحد هو عدو بقدر بلا حد.
سوف يُقرأ إرث ليندس غراهام باعتباره جزءًا من منظومة عدوانية سعت إلى حماية الكيان من المساءلة الدولية، وإلى شيطنة مقاومة الفلسطينيين وحشر قضيتهم داخل إطار أمني يخفي أصولها السياسية والتاريخية. ولا شك في أن سكوت صوته، المائع المعدني الذي يفيض بالغطرسة والعداء، سيكون مصدر ارتياح للفلسطينيين ولكل المؤمنين بقضية الحرية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية