عوض يكتب: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من الأزمات المركبة
أحمد عوض
لم يعد ممكناً النظر إلى الاضطرابات التي يشهدها الاقتصاد العالمي بصفتها صدمات مؤقتة يمكن احتواؤها عبر الأدوات النقدية والمالية التقليدية. فالعالم يدخل، على ما يبدو، مرحلة جديدة من الأزمات المركّبة، تتداخل فيها الحروب مع اضطرابات أسواق الطاقة، وتصاعد الحمائية الاقتصادية، واحتدام المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى.
يأتي ارتفاع أسعار الطاقة في مقدمة العوامل التي تدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيد من التباطؤ والتضخم. فبعد أن بدأت أسعار النفط بالتراجع النسبي عقب التوصل إلى اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وإيران في حزيران الماضي، سرعان ما عادت إلى الارتفاع التدريجي مع تجدد العمليات العسكرية، وإعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات الإستراتيجية لإمدادات الطاقة العالمية. وقد ارتفعت أسعار النفط مجدداً مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق الحرب وإطالة أمدها.
وكان الاتفاق الأميركي–الإيراني قد وفر فرصة، وإن كانت محدودة، لوقف الحرب وإعادة فتح طرق التجارة والطاقة وبدء مفاوضات أكثر شمولاً. إلا أن الاتفاق واجه اعتراضات من دولة الاحتلال الإسرائيلي وتحفظات من جماعات ضغط أميركية مؤيدة لها في المؤسسات السياسية الأمريكية المختلفة، التي انتقدت ما اعتبرته تنازلات لإيران. ما أدى إلى وضع عراقيل أمام تنفيذ مضامين الاتفاق، وتضييق المساحة السياسية المتاحة أمام التسوية وزادت خيارات التصعيد العسكري، وهو ما نشهده الآن.
خطورة هذه التطورات أنها جاءت في وقت كانت فيه المؤسسات الاقتصادية الدولية تحذر أصلاً من ضعف النمو العالمي. فقد توقع البنك الدولي في تقريره الصادر في حزيران 2026 تراجع النمو العالمي إلى نحو 2.5 بالمائة خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 2.9 بالمائة في عام 2025، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى قرابة 4 بالمائة. كما افترض التقرير أن أشد اضطرابات أسواق الطاقة ستبدأ بالانحسار خلال تموز وما يليها من أشهر 2026.
أما صندوق النقد الدولي، فقد خفض في تحديثه الأخير توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى نحو 3 بالمائة ورفع تقديراته للتضخم العالمي إلى 4.7 بالمائة. وهذه التوقعات أُعدت قبل الجولة الأخيرة من التصعيد العسكري واتساع الحصار واضطراب الملاحة، ما يرجح أن تشير التقارير المقبلة إلى تباطؤ أعمق، وتضخم أعلى، وضغوط أكبر على الموازنات العامة ومستويات المعيشة للناس.
ولا تقتصر الأزمة على الطاقة والحروب. فالصراع الاقتصادي الأميركي–الصيني يتجه هو الآخر نحو مزيد من الحدة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الإستراتيجية وسلاسل التوريد. وتستخدم واشنطن قيود تصدير الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، فيما ترد الصين بتسريع تطوير صناعاتها المحلية وفرض قيود على بعض المواد الأساسية. ويهدد هذا الصراع بتقسيم الاقتصاد الرقمي العالمي إلى منظومات متنافسة، ورفع تكاليف الاستثمار والابتكار والتجارة.
نحن إذن أمام أزمة لا يصنعها عامل واحد، بل تفاعل الحروب والطاقة والحمائية والتنافس التكنولوجي. وستكون الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة والتكنولوجيا الأكثر تضرراً، لأن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والنقل وتوطين التقنيات الحديثة سينعكس مباشرة على الفقر والبطالة والديون. لذلك، لم يعد وقف الحروب وتهدئة الصراعات بين الدول الكبرى مجرد مطلب إنساني وسياسي، بل أصبح شرطاً ضرورياً لحماية الاقتصاد العالمي ومنع انتقاله من مرحلة التباطؤ إلى ركود تضخمي واسع النطاق.







