شطناوي يكتب... حين يسبق الانطباع الحقيقة
ياسر شطناوي
لم يعد السؤال في الأردن اليوم "هل ما يُنشر صحيح أم غير صحيح؟ بل أصبح: ماذا فعل هذا المنشور في وعي الناس قبل أن يعرفوا إن كان صحيحا؟"
هذه معادلة جديدة فرضتها منصات التواصل الاجتماعي وكمية "المد الرقمي الهائل" الذي أصبح متاحا للجميع، (فالحقيقة لم تعد تصل أولا إنما يصل الانطباع، ثم تبدأ الحقيقة بمحاولة اللحاق به، والرواية لم تعد تنتظر الحدث بل أصبحت تسبقه وتفسره وتمنحه معنى قبل أن تكتمل تفاصيله، أما التفكير فقد أصبح في كثير من الأحيان آخر ما يحدث بعد أن يكون التفاعل قد أخذ مداه وتكون الأحكام قد صدرت والمواقف قد تشكلت).
ما نشهده في الفترة الأخيرة مع "الحسابات المجهولة" التي تنشر وثائق أو تتحدث عن تجاوزات إدارية وملفات فساد، يمثل نموذجا واضحا لهذا التحول، فبعيدا عن النقاش حول صحة ما تنشره تلك الحسابات أو عدم صحته، فإن الأثر الحقيقي يكمن في قدرتها على رسم الانطباع الأول، وما ان تنشر صورة لوثيقة أو معلومة حتى تبدأ آلاف التعليقات والمشاركات "ويتحول النقاش إلى مسلمات قبل أن يتحول إلى أسئلة".
المشكلة هنا لا تكمن في النشر وحده، وإنما في الطريقة التي يتشكل بها الرأي العام، فالجمهور "لا يتفاعل مع الوقائع المجردة بل مع الرواية التي تقدمها تلك الوقائع" وإذا كانت الرواية الأولى أكثر إثارة فإنها غالبا ما تكون أكثر حضورا حتى وإن جاءت الحقائق لاحقا مختلفة أو أكثر تعقيدا.
هذا "لا يعني بالضرورة أن كل ما يُنشر كاذب، كما لا يعني أن كل ما يُنفى غير صحيح" فالتجاوزات الإدارية موجودة والفساد قضية يجب أن تبقى تحت الرقابة والمساءلة، لكن الأخطر أن يحدث خلط بين محاربة الفساد وصناعة الانطباعات "وهو ما يضر بالقضيتين معا" فالإصلاح يحتاج إلى حقائق، بينما تقوم الانطباعات على السرعة والانفعال لا على التحقيق والتدقيق.
نعم.. لقد تغيرت قواعد التأثير، فالحساب المجهول لم يعد بحاجة إلى جمهور كبير بقدر حاجته إلى رواية قادرة على الانتشار، وعندما تتكرر الرواية وتتحول إلى مادة للنقاش اليومي فإنها تصبح جزءا من الوعي العام بغض النظر عن مصيرها لاحقا أمام القانون أو لجان التحقيق.
هنا تكمن المسؤولية، المؤسسات مطالبة بسرعة الاستجابة والشفافية، والإعلام مطالب باستعادة دوره في التحقق والتفسير، والجمهور مطالب "بألا يجعل زر المشاركة بديلا عن التفكير" لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تنتشر معلومة خاطئة بل أن "يتحول الانطباع إلى حقيقة في الوعي الجمعي بينما الحقيقة الحقيقية ما تزال في طريقها إلى الناس".
نعم .. حماية الوعي أصبحت جزءاً من حماية الدولة، كما أن ترسيخ الشفافية أصبح جزءا من حماية ثقة المواطنين، وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على مجتمع لا يتخلى عن حقه في المعرفة، ولا يتنازل عن واجبه في التحقق، بعد ان "أصبحنا في زمن تتقدم فيه الرواية على الحدث، والانطباع على الحقيقة، والتفاعل على التفكير...".







